الصفحة 12 من 27

و لا يُفهم من هذا أبدا أن يتقاعس الطالب عن واجباته العملية بحجة حرصه على العلم، فالطالب إنّما يطلب العلم للعمل، و كلّما تعلّم مسألة يحرص على العمل بها، فقد يتبجّح الكثير على ترك الجهاد في سبيل الله بحجّة الإستكثار من العلم ظنّا منه أنّ الجهاد عائق عن طلب العلم و الإستزادة منه و هذا الظّن خطأ، فالجهاد في سبيل الله و الصّدع بالحق هو أفضل ميدان لطلب العلم، و سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

سابعا: العمدة في العلم هو الكتاب و السنّة وآثار السلف.

قال ابن سيرين: كانوا يرون أنّه على الطريق ما دام على الأثر.

وقال الأوزاعي: العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى النّاس أنّه لا رأي لأحد مع سنّة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن المبارك: ليكن الأمر الذّي يعتمدون عليه الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث.

وقال الحسن البصري: إنّما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل، وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار، وقالوا في الدّين برأيهم فضلوا وأضلّوا.

وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك النّاس، وإيّاك وأراء الرجال وإن زخرفوا لك القول.

وقال أحمد بن حنبل:

دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى آثار

لا ترغبن عن الحديث وآله ... فالرأي ليل و الحديث نهار

ولربما جهل الفتى أثر الهدى ... و الشمس بازغة لها أنوار.

قال ابن مسعود: لا يأتي عليكم عام إلاّ وهو شرّ من الّذي قبله، أمّا إنّي لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثمّ لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم. رواه البخاري

قال الشعبي: يوشك أن يصير الجهل علما و العلم جهلا، قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟

قال: كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ النّاس في غير ذلك وهو القياس.

وقال الزهري: دعوا السنّة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي.

وقال مسروق: من يرغب برأيه عن أمر الله يضل.

وقال مالك: قبض رسول الله وقد تمّ هذا الأمر واستكمل، فإنّما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتبع الرأي، فإنّه من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته.

وأفتى أبو بكر الصديق في أمر الكلالة، فلما جاء خلافة عمر قال: إنّي لأستحي من الله أن أردّ شيئا قاله أبو بكر.

وقضى عمر في أمر بحكم خالف فيه بعض من كان قبله كأبي بكر فقال عثمان: إن نتبع رأيك فرأيك أسدّ، وإن نتبع رأي من قبلك فلنعم ذو الرأي كان.

و عجبا في هذا العصر من فئة تزعم لنفسها أنّها تتبع ما كان عليه السلف، فإذا عم يرفضون ما جاء عن السلف في مثل مسألة الإيمان و الكفر و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و طريقة معاملة الحكام إذا زاغوا عن الحق و غيرها من المسائل، و حجّتهم أنّ السلف عاشوا في واقع لا يشبه واقعنا، و إنّها لنفس الكلمة الّتي تفوّه بها أهل الكلام لمّا قالوا علم السلف أسلم و علم الخلف أعلم و أحكم، ألا إنّ علم السلف أسلم و أعلم و أحكم و أسدّ.

ثامنا: ليس الفقه بكثرة حفظ المتون أو كثرة إقتناص الكتب: فكثير من الشباب ليس له همّ إلاّ حفظ المتون دون معرفة لمعانيها، و بعضهم له هوس في جمع الكتب و حفظ عناوينها و عدد طبعاتها دون فقه فيها، فهذا و ذاك ليس من طلب العلم في شيء، بل سلفنا حذّر من الإكثار من الحديث و هو كلام رسول الله صلّى الله عليه و سلّم دون فقه فيه، حتّى بوّب الإمام إبن عبد البرّ في كتابه جامع بيان العلم و فضله، باب: ذكر من ذمّ الإكثار من الحديث دون التّفهم له و التفقه فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت