الصفحة 13 من 27

و روى الخطيب في كتابه الفقيه و المتفقه عن الإمام مالك لإبني أخته أبي بكر و إسماعيل إبني أبي أويس: أراكما تحبّان هذا الشأن و تطلبانه؟. قالا: نعم. قال: إن أحببتما أن تنتفعا به و ينفع الله بكما فأقلاّ منه و تفقّها.

تاسعا: لا يمكن فهم الدّين إلاّ من خلال التحرك به و التضحية من أجله، فقوام الدّين و نصرته لا سيما في هذه الأوقات العصيبة إنّما يكون بتصحيح المفاهيم المغلوطة بكتاب الله الهادي و بسيف الحق الناصر، فليس العلم مجرّد حفظ المختصرات و المتون لسنا بحاجة إلى نسخ أخرى لهذه المختصرات و لهذه المتون: و وجه ذلك أنّ هذا الدّين منهج حركي، فلا يفقهه إلاّ من يتحرّك به، فالّذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه بما يكتشف لهم من أسراره و معانيه، و بما يتجلّى لهم من آياته و تطبيقاته العملية في أثناء الحركة به، أمّا الّذين يقعدون فهم الّذين يحتاجون أن يتلقّوا ممّن تحرّكوا؛ و لعلّ هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أنّ المتخلّفين عن الجهاد و الحركة هم الّذين يتفرّغون للتفقه في الدّين، إنّ الّذين يعكفون على الكتب و الأوراق في هذا الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاما فقهية يجدّدون به الفقه الإسلامي أو يطوّرونه و هم بعيدون عن الحركة الّتي تستهدف إلى تحرير الناس من العبودية للعباد، و ردّهم إلى العبودية لله وحده هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدّين و من ثَمّ لا يحسنون صياغة هذا الدّين.

و الدليل على هذا قول الله تعالى:"وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"

و لفهم وجه الدلالة من الدليل لابدّ من أن نفهم هذه الآية على مقتضى فهم سياقها، فقال تعالى قبل ذلك:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"

فبعدما أنزل الله تعالى النكير على المتخلّفين تزاحم الناس على رسول الله ليكونوا رهن إشارته و خاصّة من القبائل المجاورة بالمدينة، ممّا إقتضى بيان حدود النفير العام، و أن توزّع الجهود في الجهاد و في عمارة الأرض، فجاءت الآية لتبيّن أنّ المؤمنين لا ينفرون كافّة، و لكن تنفر من كلّ فرقة منهم طائفة على التناوب بين من ينفرون و من يبقون للتفقه هذه الطائفة في الدّين بالنفير و الجهاد و الحركة بهذه العقيدة، و تنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته و ما فقهته من هذا الدّين في أثناء الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت