الصفحة 14 من 27

قد يستغرب من يقرأ هذه الكلمة و هذا التفسير لهذه الآية - و هي من تفسير الضلال بتصرف يسير - لأنّ الكثير فهم الآية على خلاف ما أطرحه الآن؛ و ما أقرّره في هذه الأسطر هو ما قاله الإمام إبن جرير في تفسيره و أنقل كلمات إبن جرير مع طولها لأهمّيتها و للتأكيد على أنّ من يطلب العلم ليسخّره في التمكين لهذا الدّين و يتحرّك لذلك هو الفقيه حقا، أمّا من طلب العلم و قعد يتفرّج على العاملين و ما حرّك فيه علمه الغيرة على الدّين فهذا ليس بفقيه و لو درس كتب الدنيا، أمّا من طلب العلم و سخّره لخدمة أعداء الدّين فهذا شأن آخر و العياذ بالله, قال إبن جرير في تفسير آية التوبة: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويله: وما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده, وأنّ الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا ولكن عليهم إذا سرى رسول الله سرية أن ينفر معها من كلّ قبيلة من قبائل العرب وهي الفرقة. طائفة وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد, كما قال الله جلّ ثناؤه:"فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ"يقول: فهلاّ نفر من كلّ فرقة منهم طائفة وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رُويت عن ابن عباس, وهو قول الضحاك وقتادة.

وإنّما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لأنّ الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة, مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم, ومن الأعراب لغير عذر يعذرون به إذا خرج رسول الله لغزو وجهاد عدوّ قبل هذه الآية بقوله:"ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ", ثمّ عقب ذلك جلّ ثناؤه بقوله:"وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً"فكان معلوما بذلك إذ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرض النفر والمباح لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ, وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم أن يكون عقيب تعريفهم ذلك تعريفهم الواجب عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته وإشخاص غيره عنها, كما كان الإبتداء بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.

وأما قوله:"لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ وَلِيُنْذِرُوا قوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ". فإنّ أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به, فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه, ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم. لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ يقول: لعلّ قومهم إذا هم حذّروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون, فيؤمنون بالله ورسوله, حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم.

وإنّما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب, وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه لأنّ النفر قد بيّنا فيما مضى أنه إذا كان مطلقا بغير صلة بشيء أنّ الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه, وكان جلّ ثناؤه قال:"فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ"

مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقّهُوا في الدّينِ"علم أنّ قوله: «ليتفقهوا» إنّما هو شرط للنفر لا لغيره, إذ كان يليه دون غيره من الكلام."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت