الصفحة 15 من 27

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلفون في الدّين؟ قيل: ننكر ذلك لإستحالته وذلك أنّ نفر الطائفة النافرة لو كان سببا لتفقه المتخلفة, وجب أن يكون مقامها معهم سببا لجهلهم وترك التفقه وقد علمنا أنّ مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببا لمنعهم من التفقه. وبعد, فإنّه قال جلّ ثناؤه:"وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ"عطفا به على قوله:"لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ"ولا شكّ أنّ الطائفة النافرة لم ينفروا إلاّ والإنذار قد تقدّم من الله إليها, وللإنذار وخوف الوعيد نفرت, فما وجه إنذر الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إيّاهما؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى, لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة, لأنّها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة, ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنّها تنذر من حيها وقبيلتها ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك. إنتهى

و ممّا يزيد المسألة إيضاحا و تأكيدا ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت - و كان ممّن يكتب الوحي - قال: أرسل إليّ أبو بكر مَقتل أهل اليمامة و عنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال قد إستحرّ يوم اليمامة بالناس، و إنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن: إلاّ أن تجمعوه، و إنّي لأرى أن تجمع (و في رواية: أن تأمر بجمع) القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله عليه الصّلاة و السّلام؟. فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتّى شرح الله لذلك صدري، و رأيت الّذي رأى عمر. - قال زيد بن ثابت: و عمر عنده جالس لا يتكلّم -

فقال أبو بكر: أنت رجل شاب عاقل، و لا نتّهمك، و كنت تكتب الوحي لرسول الله عليه الصّلاة و السّلام فتتبّع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلّفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبيّ عليه الصّلاة و السّلام؟. فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه حتّى شرح الله صدري الّذي شرح الله له صدر أبي بكر و عمر. فقمت فتتبّعت القرآن أجمعه من الرّقاع و الأكتاف و العُسُب (و اللخاف) و صدور الرّجال، حتّى وجدت من سورة التوبة آيتين (و في رواية: آخر سورة التوبة) مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ". (فألحقتها في سورتها) و كانت الصحف الّتي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند حفصة بنت عمر.

و الشاهد من الحديث: قول عمر رضي الله عنه: و إنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن. و القرّاء هم العلماء، فدلّ أنّ علماء الصحابة كانوا يجاهدون في سبيل الله، و ما منعهم علمهم عن الجهاد، و ما تذرّعوا بضرورة البقاء من أجل حفظ ما يحفظون، و لم يقترح عمر أن يبقى القراء بلا جهاد حتّى يأمن على ما يحفظون من القرآن، بل إقترح أن يُجمع ما يحفظون في مصاحف و لا يتأخّرون هم عن الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت