إنّ أفضل من فهم التوحيد هو الّذي إختار أن يموت من أجل رفع راية التوحيد، هذا هو الموحّد حقا، فليس الموحّد من حفظ متون التوحيد ثمّ قعد مع القاعدين و هو قادر على الجهاد متمكّن منه، ليس التوحيد حفظ المتون و المختصرات، بل التوحيد هو العمل لإعلاء رايته، و دحض أعدائه.
و طلب العلم لا يتعارض مع الجهاد في سبيل الله، بل مِن طلب العلم الخروج للجهاد في سبيل الله لو كانوا يعقلون، أوّلا كما جاء موضّحا في الآية:"لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ"فلام هي للتعليل، فعلّل سبحانه النفير من أجل التفقّه في الدّين، و ذلك ثانيا: عرفنا آنفا أنّ العلم المراد منه العمل به، فالعلم وسيلة و العمل غاية، فإذا إهتمّ المرء بالوسيلة و أهمل الغاية لم يكن حقيقة إنتفع بهذه الوسيلة الّتي ما وُجدت إلاّ لتحقيق غايتها، و هذا هو العلم ما وُجد إلاّ للعمل به، فإذا تخلّف العمل لم يكن المرء إنتفع حقيقة بالعلم، و إنّ من أفضل الميادين الّتي يُترجم فيها طالب العلم علمه هو الجهاد في سبيل الله، ميدان التوكل على الله، و الإنابة إليه، و التضرع إليه، و الخشية منه، و الطمع ممّا عنده و غيرها ممّا لا يعرفه المرء بمجرّد القراءة بل هذه المسائل لا تُعرف حقيقة إلاّ بمراغمة الأعداء.
ليس ثمّة تعارض بين طلب العلم و الجهاد في سبيل الله، و الجهاد ليس عائقا عن طلب العلم، بل من مقتضيات طلب العلم هو الجهاد في سبيل الله.
فالموحّد هو الّذي يعمل بالتوحيد و للتوحيد، فليكن هذا على بال عند كلّ طالب علم.
و المتّبع للسلف حقيقة ليس بمجرّد مطالعة الكتب و حفظ المتون بل بالصّدع بالحق و مراغمة الأعداء باليد و اللسان.
قال إبن القيّم:
تظنّ أنّك وارث لهم وما ... ذقت الأذى في نصرة الرحمن
كلا و لا جاهدت حق جهاده ... في الله لا بيد و لا بلسان
منّتك و الله المحالَ النفسُ ... فاستحدث سوى ذا الرأي و الحسبان
لو كنتَ وارثَه لآذاك الألىَ ... و رثوا عداه بسائر الألوان
عاشرا: إنّ من مقتضيات العمل بالعلم هو الصّدع بالحق، وعدم خشية لومة لائم من أجل ذلك
فكما يكون الجهاد باليد فيكون باللسان، لا سيما في هذا الزمان حيث شوّه كثير من المدلّسين تعاليم الدّين و من الأحكام المُشوّهة الجهاد في سبيل الله، فوظيفة طالب العلم هو ما بيّنه ربّنا لنبيّه أن يقول:"قل تعالوا أتلوا ما حرّم ربّكم عليكم"، فكذلك كلّ من عرف الحق بدليله لابدّ له أن يبيّن أن يقول للأمّة قل تعالوا أتلوا ما حرّم ربّكم عليكم من الشرك و الكفر و أخطرها في هذا الوقت تحكيم القوانين الوضعية الشركية
حادي عشر: العمل بالعلم يجعل الداعية قدوة حسنة؛ قال العلّامة مبارك الميلي: القدوة الحسنة هي التي تجعل لكلام الله وقعا في القلوب، و لأوامر الدّين احتراما في النفوس و لعظات المرشدين تأثيرا في المجتمع، و القدوة الحسنة هي التي تجعلنا أمّة جدّ وعمل، لا شرذمة هزل وتواكل؛ فإنّ وقوف المرشد عند حدّ القول يحمل المستمع على الوقوف عند حدّ السماع، وقرنه القول بالعمل يبعث السامع على قرن السماع بالإتباع، فالقول المجرّد يبعث على القول المجرّد، والامتثال بالعمل يبعث على الامتثال بالعمل، وهذا سرّ نجاح السلف وفشل الخلف اهـ
قال مالك بن دينار: إنّ العالم إذا لم يعمل زلّت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.
قال أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة نفطويه:
إذا أنت لم ينفعك علمك لم تجد ... لعلمك مخلوقا من الناس يقبله
وإن زانك العلم الذي قد حملته ... وجدت له من يجتنيه ويحمله
وقال زياد بن أبي سفيان: إذا خرج الكلام من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان.