الصفحة 3 من 27

فهو - أي الخشية - علامة على صحّة الإيمان، وترحّله من القلب علامة ترحل الإيمان [1]

وقد تواترت النصوص النبوية بأنّ أفضل الأعمال هو الإيمان بالله، فهو رأس الأمر، والأعمال بعده على مراتبها ومنازلها.

والإيمان له ركنان: أحدهما معرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والعلم به.

والثاني تصديقه بالقول والعمل.

والتصديق بدون العلم والمعرفة محال - فإذا العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد ولا تقوم شجرة الإيمان إلاّ على ساق العلم والمعرفة [2]

ويوضح ذلك ما قاله [3] شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"كلّما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدّقه، وما أمر به فالتزامه كان ذلك زيادة في إيمانه، على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام، وإقرار عام."

وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لا يعرف تلك الأسماء، بل ءامن بها إيمانا مجملا، أو عرف بعضها، وكلّما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وءاياته كان إيمانه به أكمل اه

فكان العلم بذلك من أجلّ المطالب وأسنى المواهب.

3 -فضل الإنسان وشرفه بالعلم:

إنّ من نال شيئا من شرف الدنيا والآخرة فإنّما ناله بالعلم، وتأمّل أنّ الله لمّا أراد إظهار تفضيل آدم وتمييزه، ميّزه على الملائكة بالعلم، فعلّمه الأسماء كلّها، فأراد سبحانه أن يظهر لملائكته فضله وشرفه فأظهر لهم أحسن ما فيه وهو علمه، فدلّ على أنّ العلم أشرف ما في الإنسان، وأنّ فضله وشرفه إنّما هو العلم.

ونظير هذا ما فعله سبحانه وتعالى بنبيه يوسف عليه السلام لما أراد إظهار فضله وشرفه على زمانه كلّهم، أظهر للملك وأهل مصر من علمه بتأويل رؤياه ما عجز عنه علماء التعبير، فحينئذ قدّمه ومكّنه وسلّم إليه خزائن الأرض، وكان قبل ذلك قد حبسه على ما رآه من حسن وجهه وجمال صورته،

ولمّا ظهر له حسن صورة علمه وجمال معرفته أطلقه ومكّنه في الأرض؛ فدلّ على أنّ صورة العلم عند بني آدم أبهى وأحسن من الصورة الحسية ولو كانت أجمل صورة.

وكذلك ما حصل للخضر بسبب علمه من تلميذه كليم الرحمن له وتلطفه معه في السؤال حتى قال:

{هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} سورة الكهف [66] .

وكذلك ما حصل لسيد ولد آدم من العلم الذي ذكّره الله به نعمة عليه فقال: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} سورة النساء [113] .

وجاء في صحيح مسلم عن عامر بن وائلة أبي الطفيل، أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر ابن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكّة، فقال له عمر، من استخلفت على أهل الوادي؟! قال: استخلفت عليهم ابن أبزى.

فقال: من ابن أبزى؟

فقال: رجل من موالينا.

فقال عمر: استخلفت عليهم مولى.

فقال: إنّه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض.

فقال عمر: أما إنّ نبيّكم صلى الله عليه وسلم قد قال: إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين.

قال وهب بن منبه: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيئا، والعز وإن كان مهينا والقرب وإن كان قاصيّا، والغنى وإن كان فقيرا، والنبل وإن كان حقيرا والمهابة وإن كان وضيعا والسلامة وإن كان سفيها.

وقال عبد الله بن داود: سمعت سفيان الثوري يقول: إنّ هذا الحديث عزّ، فمن أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرة وجدها [4]

ولهذا قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات}

(1) مدارج السالكين (1/ 515)

(2) مفتاح دار السّعادة 1/ 154

(3) كتاب الإيمان 220ص

(4) هذه الفقرة من كتاب مفتاح دار السعادة بتصرّف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت