ميثاق الجماعة السلفية للدعوة والقتال
إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا من يهده الله فلا مضّل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلاّ الله و حده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى الله عليه و سلّم.
أمّا بعد:
فإنّ أصدق الحديث كلام الله و خير الهدي هدي محمّد صلّى الله عليه و سلّم و شرّ الأمور محدثاتها و كلّ محدثة بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النّار.
و بعد:
لمّا كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه، و الإستعداد لمعاده، و ذلك الإجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التّمانع و التّعاون، حتّى يحصل بالتّمانع ما هو أهله، و يحصل بالتّعاون ما ليس له. فصورة الإجتماع على هذه الهيئة هي الملّة، و الطّريق الخاصّ الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج و الشّرعة و السّنّة، و الإتّفاق على السّنّة هي الجماعة، قال الله تعالى: (( لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) ) [1] .
فإيجاد جماعة إذًا ضرورة عقليّة إلى جانب أنّها مطلب شرعيّ، و لا يتصوّر وجود هذه الجماعة بدون نظام [2] .
وإلاّ اضطربت حياة الأفراد و دبّت الفوضى في جماعتهم و انهارت الجماعة و هلك الأفراد، فلا بدّ من نظام للجماعة إسلاميّة كانت أو غيرها، يتضمّن الحدود الّتي يجب أن يقف عندها الجميع، و الضّوابط الّتي يجب أن يلتزموا بها، و العقوبات المطّردة على الخارجين على هذه الحدود و الضّوابط حتّى يستطيع الجميع العيش بأمان و استقرار.
و لمّا كان من طبيعة الإسلام و منهجه انّه شامل لمناهج الحياة كلّها اقتضى أن تكون هناك جماعة، السّنّة هي منهجها في العقيدة، و العبادة و المبادئ و الحقوق و المعاملات و الدّعوة و الأخلاق، و السّياسة و الإقتصاد، و الدّولة و السّلم و الحرب، تنظّم مفاهيم الفرد و فكره و تتابع تنفيذ ضوابط العمل فيها، و تصّحح الأخطاء الّتي لابدّ من وقوعها في كلّ عمل.
و لاشكّ أنّ الجهاد من أعظم الأصول العمليّة للسّنّة، به تقمع الفتنة و يرهب أعداء الإسلام و تزول الحواجز من طريق الدّعاة إلى الله و هو لا يقوم إلاّ بالجماعة، و بيان ذلك أنّ الجهاد و غيره من الواجبات و الولايات الدّينية لا تتحقّق كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (إلاّ بالقوّة و الإمارة) و لاشكّ أنّ القوّة إنّما تكمن في الإجتماع لقوله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم) .
و الجماعة لا يمكن لها أن تنجز ما هو مطلوب منها إلاّ إذا استغلّت إمكانيات و قدرات و مواهب و ملكات أفرادها على تنوّعها و تباينها استغلالا علميا منظّما، فالجماعة بهذا المفهوم ينبغي أن تكون مضمونا، قبل أن تكون شكلا أو عنوانا، و هذا المضمون هو الذي ينبغي أن نرعاه و نهتمّ به قبل كلّ شيء.
فالحقيقة الواضحة الصّريحة المتجلّية لكلّ من عرف دين الله هي أنّه لا إسلام بلا جماعة، و لا جماعة بلا نظام.
(1) الملل و النّحل (1/ 38 ـ 39) .
(2) تنبيه: قال الشّنقيطي: إعلم أنّه يجبّ التّفصيل بين النّظام الوضعي الّذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات و الأرض، و بين النّظام الّذي يقتضي ذلك، إيضاح ذلك ـ أنّ النّظام قسمان: إداريّ و شرعيّ، أمّّا الإداري الّذي يراد به ضبط الأمور و إتقانها على وجه غير مخالف للشّرع، فهذا لا مانع منه، و لا مخالف فيه من الصّحابة، فمن بعدهم ... .فمثل هذا من أمور الموظّفين، و تنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشّرع، فهذا النّوع من الأنظمة الوضعيّة لا بأس به، و لا يخرج عن قواعد الشّرع من مراعاة المصالح العامّة (الأضواء 4/ 66) .