فَهَا هِيْ المَكتَبَاتُ مُكتَضَّةٌ مِنْ غَثِّ مَا يُسطِّرُ هَؤلَاءِ، مُزدَحِمةٌ مِنْ التَّآلِيفِ المَكرُورَةُ التِّيْ أَكَثرُهَا سَرِقَاتُ جُهُودِ الْآخَرِينَ، مِنْ عُلَمَاءٍ وَطَلَبةُ عِلمٍ وَمُصلِحيْن.
قَالَ الشَّيخُ بَكرٍ أَبُو زَيدٍ: وَمِنْ سَمَاجَتِهِم؛ البِدَارُ إِلِى التَّألِيفِ فِي أَوَائِلِ الطَّلَبِ، ثُمَّ هُوَ يَرسُمُ عَلى طُرَّتِهِ: تَصنِيفُ أَبِي فُلَانٍ ... سَامَحَهُ اللهُ وَغَفَر لَهُ وَلِوَالِدَيهِ وَلِمشَايخِهِ، وَأعرِفُ مِنهُمْ مَنْ لَم يَدْرُس عَلى شَيْخٍ، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ شِدَّةِ التِّيه، وَالبَاو وَالتَّمَشيُخ [المجموعة العلمية/58] .
وَمَا أحَسَنَ قَولُ الْإمَامَ الْأوزَاعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى- وَالذِّي نَقَلَهُ الشَّيخُ بَكر -بَعدَ كَلَامِهِ الْآنِف- عَن سِيَرِ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-، قَالَ"كَانَ هَذَا العِلمُ كَرِيمًا بِمُلَاقَاةِ الرِّجَالِ، فَلمَّا صَارَ فِيْ الكُتُبِ، صِرْتَ تَجِدَهُ عِنْدَ العَبْدِ وَالْأَعرَابِيّ"، أَوْ قَالَ -رِوَايَةٌ أُخرَى-"كَانَ هَذَا العِلمُ شَيِئًا شَرِيفًا، إِذْ كَانَ مِنْ أَفوَاهِ الرِّجَالِ يَتَلَاقَونَهُ وَيَتَذَاكرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ، وَصَارَ إِلَى غَيرِ أَهلِهِ" [جامع بيان العلم وفضله/290] .
وَعَنْ أَبِيْ نَضرَة قَالَ: قِيلَ لِأبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: لَوْ أَكْتَبتَنَا الحَدِيثَ، فَقَالَ"لَا نُكْتبَكُم، خُذُوا عَنَّا كَمَا أَخَذنَا عَنْ نَبِيَّنَا صَلى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ" [المصدر السابق/272] .
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-"لَم يَكُنْ مَعَ اِبنِ شِهَابٍ -أَظُنُّه الزُّهرِيّ- كِتَاب! إِلَّا كِتَابٌ فِيهِ نَسبُ قَومِهِ"، قَالَ"وَلَم يَكُن القَومُ يَكتُبُونَ، إِنَّمَا يَحفَظُونَ، فِمَن كَتَبَ مِنهُمُ الشَّيءَ؛ فَإِنَّمَا كَانَ يَكتُبُهُ لِيحفَظَهُ، فَإِذَا حَفِظَهُ مَحَاهُ".
وَعَن اِبنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ"إِنَّا لَا نَكتُبُ العِلمَ وَلَا نُكتِبَهُ-وَبِنَحوِهِ قَالَ أَبُو هُرَيرَة-"، وَكَانَ اِبنُ عَبَّاس يَنهَى عَنْ كِتَابةِ العِلمِ وَيَقُولُ: إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبلَكُم بِالكُتُبِ.