كَمْ رَأيْنَا نِزَالًا فِيْ حَلَائِبِ العِلْمِ، مَنْ رَائِمٍ لِلبُرُوزِ قَبْلَ أَنْ يَنْضِجَ، فَرَاشَ قَبْلَ أَنْ يَبْرِيَ، وَتَزبَّبَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَصْرَمَ، وَقَدْ قِيْلَ:"البِدَايَةُ مُزِلَّةٌ"، وَقِيْلَ"مِنَ البَلِيَّةِ تَشَيُّخِ الصَّحَفِيَّة"، وَيُؤثَرُ عَنْ الْإِمَامِ عَلِيّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَوْلَهُ"العِلْمُ نُقْطَةٌ كَثَّرَهَا الجَاهِلُوْنَ"، وَهِيَ بِمَعنَى مَا سَاقَهُ اِبنُ عَبْدِ البَّرِّ فِيْ"جَامِعِهِ"، وَالغَزَالِيُّ فِي"الْإِحْيَاءِ":"لَوْ سَكَتَ مَنْ لَا يَعْلَمُ لَسَقَطَ الخِلَافُ"، وَمَا يُرَادُ بِهْم هُنَا إِلَّا"المُتَعَالِمُوْنَ"، الذِّيْنَ نَامُوا عَن العِلْمِ فَمَا استَيْقَظُوا، وَبَالَغُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا، فَرَكِبُوا مَطَايَا الخَيْرِ لِلشَّرِّ، وَالذَّينَ عَنَاهُم الْإِمَامُ الشَّافِعِيّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بِقَوْلِهِ"فَالوَاجِبُ عَلَى العَالِمِينَ أَنْ لَا يَقُولُوا إِلَّا مِنْ حَيْثُ عِلْمُوا، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي العِلْمِ مَنْ لَو أَمْسَكَ عَنْ بَعْضِ مَا تَكَلَّمَ فِيْهِ مِنْهُ لَكَانَ الْإِمْسَاكُ أَوْلَى بِهِ، وأَقْرَبَ مِنْ السَّلَامَةِ لَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ".
وَشَكَى حَالَهُم الحَافِظَ اِبنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فَقَالَ:
هَذَا وَإِنِّي بَعْدُ مُمْتَحَنٌ بِأَرْ
.بَعْةٍ، وَكُلُّهُم ذَوُو أَضْغَانِ
فَظٌّ، غَلِيظٌ، جَاهَلٌ مُتَمَعْلِمٌ
.ضَخْمَ العِمَامَةِ، وَاسِعَ الْأَرْدَانِ
مُتَفَيْهِقٌ، مُتَضَلِّعٌ بِالجَهْلِ، ذُو
.ضَلَعٍ، وَذُو جَلَحٍ مِنْ العِرْفَانِ
مُزْجَى البِضَاعَةِ فِي العُلُومِ وَإِنَّهُ
.زَاجٍ مِنْ الْإِيهَامِ وَالهَذَيَانِ
يَشْكُو إِلَى اللهِ الحُقُوقَ تَظَلُّمًا
.مِنْ جَهْلِهِ كَشِكَايَةِ الْأَبْدَانِ
مِنْ جَاهْلٍ مُتَطَبِّبٍ يُفْتِي الوَرَى
.وَيُحِيْلُ ذَاكَ عَلَى قِضَا الرَّحمَنِ