وَرَصِيْفُهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، شَكَى الحَالَ مِنْ وَجْهِ آخَرَ، فَقَالَ"فَوَاللهِ لَأَنْ يَعِيْشَ المُسْلِمُ أَخَرَسَ، أَبْكَمَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَعِيْشَ ..."، وَحَفِيْدَهُمَا بِالتَّلْمَذَةِ، الحَافِظُ اِبنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يَقُولُ"إِذَا تَكَلَّمَ المَرْءُ فِيْ غَيْرِ فَنِّهِ، أَتَى بِهَذِهِ العَجَائِبِ" [ما سبق عن المجموعة العلمية/7 - 8] .
إِنَّ مِمَّا يُؤْذِيْ الْإنْسَانَ السَّوِيِّ، وَصَاحِبَ العِلْمِ الرَّبَانِيِّ، أَنْ يَرَى بَعْضَ مَنْ أَخَذَ طَرْفًا مِنْ العِلْمِ، يُفْتِي فِي النُّفُوسِ وَالفُرِوْجِ، وَيَتَصَدَّرَ لِلفَتَاوَى وَالدُّرِوْسِ، وَكَالطَّاوُوسِ يَشرَئِبُّ بِرِأسِهِ فَوْقَ الرُّؤوسِ، وَيَخْتَالُ عَلَى عِبَادِ رَبِّ العَالَمِِينَ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ إِنْ خَالَفَهُ المُتَعَلِّمِينَ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ وَيَتَمَعَّرُ، إِنْ غَلَبَهُ فِيْ مُنَاظَرَةٍ مُحْتَقَر.
وَقَد كَثُرَ فِي سُوْقِ العِلْمِ مَنْ لَيْسَ بِأهْلٍ لَهُ، وبَاعَ فِيْهِ مَنْ هُوَ مَزجِيُّ البِضَاعَةِ، وَطَارَ فَرِحًا بِأَنْ ثَمَّةَ جَهَلَةً رِعَاعًا لَهُ يُصَفِّقِونَ، وَعَلَى حَوْضِهِ يَلْتَفّونَ، وَنَسِيَ أَنَّهُ عَلَى الرَّحْمَنِ مَنْشُوْرٌ، وَعَلَى صِرَاطِ النَّارِ مَحْشُورٌ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ بِهِ إِذَا سُئلَ!
وَإِنِّي عَزَمْتُ بِفَضْلِ اللهِ الْأَحَدِ، عَلَى أَنْ أُبَيِّنَ حَالَ هَؤلَاءِ المُتَعَالِمِيْنَ، وَأَكشِفَ زَيْفَهُم، وَأَفْضَحَ أَمْرَهُم، وَأهَتِكَ سِتْرَهُم، وَأَكْشِفَ عَنْ قَبَاحَةِ وَجْهِهِم.
فَقَد أَحزَنَنِي اِنتِشَارُ هَذِهِ الدَّعَوَى المَقِيْتَة بَيْنَ أَنْصَارِ المُجَاهِدِيْنَ، وَوَاجِهَةَ الجِهَادِ العَالَمِيِّ، وَيَزْدَادُ حَزَنِيْ إِنْ أَصَرَّ المُدَّعَونَ عَلَى دَعْوَاهُم، وَلَمْ يَتَوَاضَعُوا للهِ العَظِيْمِ، وَلَمْ يَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَيُطِيْعُونَ، وَلَا إِلَى أَهْلِ الرُّسُوخ فِي العُلُومِ فَيُسَلِّمُونَ، بَلْ اِزدَادُوا جُرْمًا إِلَى جُرْمِهِم، وَأَصَرُّوا عَلَى غَيِّهِم.
وَتَعُظْمُ المُصِيْبَةُ إِنْ قَالَ أَنَّهُ لِلْسَّلَفِ الصَّالِحِ مُتَّبِع، وَعَنْ الخَلَفِ الطَّالِحِ مَنْخَلِعْ، بَلْ عَلَى عَكْسِ القَوْلِ هُوَ سَائِر، وَعَلَى مَسْلَخِ الخَلَفِ صَائِر، فَمَا عَرَفْنَا فِيْ سَلَفِنَا إِلَّا الوَرَعَ، وَوَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ أَمْرَهُ!