الصفحة 28 من 50

أَعجَبَهُ الصَّمْتُ فَلْيَنطِقْ، وَلَا يَفْتُر عَنْ مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهَا تُحِبُّ الظُّهُورَ وَالثَّنَاءَ"السابق."

وَهَؤلَاءِ إِنَابَتُهُم قَرِيبَةٌ بِإذنِ اللهِ تَعَالى، فَفِي تَرْجَمَةِ مَعْمَرٍ بِنُ رَاشِدٍ قَالَ:"كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ يَطلُبُ العِلمَ لِغَيْرِ اللهِ، فَيَأبَى عَلِيهِ العِلمُ حَتَّى يَكُون للهِ"، عَلَّقَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ عَلِيْهِ قَائلًا:"نَعْم! يَطلبهُ أوَّلًا؛ وَالحَامِلُ لَهُ حُبُّ العِلْمَ، وَحُبُّ إِزَالةِ الجَهْلِ عَنْهُ، وَحُبُّ الوَظَائفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ وُجُوْبَ الْإِخْلَاصِ فِيْهِ، وَلَا صِدْقَ النِّيَّةِ، فَإِذَا عَلِمَ حَاسَبَ نَفْسَهُ، وَخَافَ مِنْ وَبَالِ قَصْدِهِ، فَتَجِيئهُ النِّيَّةُ الصَّالِحَة كُلُّهَا، أَوْ بَعضُهَا، وَقَدْ يَتُوبُ مِنْ نِيَّتِهِ الفَاسِدَة وَيَنْدَمُ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أنَّهُ يُقصِرُ مِنْ الدَّعَاوِي وَحُبِّ المُنَاظَرةِ، وَمِنْ قَصْدِ التَّكَثّرِ بِعْلمِهِ، وَيُزْرِي عَلى نَفْسِهِ فَإِن تَكَثَّرَ بِعْلِمِه، أَوْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْ فَلَانٍ، فَبُعْدًا لَهُ" [المصدر السابق/97] .

السَّبَبُ الثَّالِثُ: عَدَمُ المَنْهَجِيِّةِ؛ حَيْثُ أَنُّ مَا مِنْ أَحَدٍ لَمْ يَمْشِ عَلى مَنْهَجِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، شَامِلةٍ جَامِعةٍ، مُفَنَّنَةٍ مُنَوعَّةٍ، إِلَّا كَانَ كَالمُنْبَتِّ لَا ظَهْرًا أبْقَى وَلَا أرْضًا قَطَعَ. وَالمَقْصُودُ بِالمَنْهَجِيَّةِ = التَّي تَعْتَنِي بِالمُتْونِ وَمَرَاتِبهَا وَحِفْظِهَا، وَتَهْتَمُّ بِالشُّرُوحِ وَدَرَجَاتِهَا وَحَواشيهَا، وَتَحِرصُ عَلى جَرْدِ المُطَوّلَاتِ وَدَقَائقِ مَسَائلِ العِلمِ.

فَإِنَّ كَثِيْرًا مِمَّنْ أَخْطَأ الطَرِيقَ، فَحَادَ بِهِ المَسِيرُ إِلَى السَّعِيْرِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِعَدَمِ المِنْهَجِيِّةِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، بَلْ قَدْ يَفْنِي طَالِبُ العِلمِ عُمُرَهُ فِي مَجَالِسِ العِلمِ والعُلَمَاءِ وَلَمَّا يُحصِّل مِنْ العِلمِ مَبَادِئهُ، قَالَ اِبنُ بَدْرَانٍ الحَنْبَلِيِّ:"اعْلَمْ أنَّ كَثِيْرًا مِنَ النَّاسِ يَقْضُوْنَ السِّنِيْنَ الطِّوَالَ في تَعَلُّمِ العِلْمَ، بَلْ في عِلْمٍ وَاحِدٍ، ولا يُحَصِّلُوْنَ مِنْه عَلَى طَائِلٍ، ورُبَّمَا قَضَوْا أعْمَارَهُم فِيْه، ولَمْ يَرْتَقُوا عَنْ دَرَجَةِ المُبْتَدِئِيْنَ، وإنَّمَا يَكُوْنُ ذَلِكَ لأحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدَهُما: عَدَمُ الذَّكَاءِ الفِطْرِيِّ، وانْتِفَاءُ الإدْرَاكِ التَّصَوُّرِي، وهَذَا لا كَلامَ لَنَا فِيْه، ولا فِي عِلاجِه،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت