الصفحة 29 من 50

والثَّانِي: الجَهْلُ بِطُرُقِ التَّعْلِيْمِ" [المدخل لابن بدران 485] . وَمِنْهُ -أَيْ عَدَمُ المَنْهَجِيَّةِ-: التَّذَبْذُبُ بَيْنَ المُتُونِ؛ فَتَجِدُهُ كُلَّ حِيْنٍ فِي مَتْنٍ مُغَايرٌ لِسابِقِهِ فِي الفَنَِّ نَفْسَهُ، أَوْ التَّذَبْذُبُ بَيْنَ الفُنُونِ دُونَمَا تَخْطِيطٍ، أَوْ التَّذَبْذُبُ فِي طَلَبِ العِلْمِ حَيْثُ يَعْتَنِي بِطَلَبِهِ مُدَّةً ثُمَّ يَتْرُكُهُ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَنِ، فَيَحِنُّ إِلِيْهِ فِيمَا بَعْدُ؛ فَيَرْجِعُ إِمَّا لِفَنٍّ آخَرَ أَوْ لِمَتْنٍ آخَرَ أَوْ مُرَاجَعَةً لِسَابِقِ عَهْدِهِ، وهَكَذا حَتَّى يَنْقَضِي عُمُرَهُ وَمَا حَصَّلَ شَيْئًا."

وَمِنْهُ: الجَمْعُ بَيْنَ المُتُونِ فِي الفَنِّ الوَاحِدِ وَفِي فُنُونٍ مُخْتَلِفةٍ مِنْ غيْرِ قُدْرَةٍ، فَإِنَّ مَا جَاءَ جُمْلَةً وَلَّى جُمْلَةً، وَإِنَّما العَالِمُ مَنْ أَخَذَ صِغَارَ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَكَذَلِكَ الجَمْعُ بَيْن الفُنُونِ دُوْنَمَا اِستِطَاعَةٍ بِحَيْثُ قَدْ يَنْفِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الطَّلِبِ حَتَّى يُسْلِمَ الرُّوْحَ إِلَى بَارِيهَا.

وَمِنْهُ: التَّكَثُّرُ مِنْ المَسَائلِ دُونَمَا حَاجَةٍ، فَإِنَّ اِزْدِحَامُ العِلْمِ فِي السَّمعِ مَضَلَّةُ الفَهْمِ، وَمِثَلُهُ مَنْ يُلَقِّمُ الطِّفْلَ لُقْمَةً كَبِيْرةً لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا التَّنَفُسَ أَوْ بَلعَهَا.

السَّبَبُ الرَّابِعُ: عَدَمُ فَهْمِ المَنْهَجِيَّةِ أَوْ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَنْهَجِيَّةِ الْأَصلِيِّةِ، وَالمَنْهَجِيِّةِ الفَرْعِيِّةِ؛ فَكَثِيْرٌ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ تَتَّجِهُ أَنْظَارُهُم إِلَى المَنْهَجِيَّةِ الفَرْعِيَّةِ = المُخْتَصَّةِ بِالمُتُونِ والشُّروحِ وَالمُقَدِّمَاتِ، دُونَمَا الْإِنْتِبَاهِ إِلَى المَنْهَجِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ = التَّي هِيَ غَايَةُ المَطْلَبِ مِنْ تَحقِيْقِ التَّقَوَى وَتَعْزِيزِ الْإِحسَانِ، وَبِمَعْنَى آخَرَ: هِيَ التَّزْكيَةُ لِلنَّفْسِ مِنْ أَدنَاسِهَا وَأرْجَاسِهَا وَتَعلُّقَاتِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ، والتَّطهِيرُ لِلقَلْبِ مِنْ أَسقَامِهِ وَأَمْرَاضِهِ، وَإِلْزَامُ خِطَامَهَا النُّفُوسِ طَاعةَ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ سِرُّ تَفَوُّقُ الخُلَفَاءُ الْأَربَعةِ وَالعَشَرةِ المُبَشَّرِينَ وَأَهْلَ بَدْرٍ وَسَائرِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَفَوُّقُ الْأَئمَّةُ الْأَربَعةِ مَعَ أئمَّةِ الدِّينَ عَلى مَرِّ الْأزَمَانِ عَلى مَنْ هُمْ أقَرَانٌ لَهُم فِي طَلَبِ العِلْمِ وَمُجَالَسَةِ العُلَمَاءِ.

قَالَ رَجَلٌ لِإِبرَاهِيمِ بنِ أَدْهَمٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ اللهُ تَعَالَى"ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [غافر/60] فَمَا بَالَنَا نَدعُو فَلَا يُستَجَابُ لَنَا؟ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ:"مِنْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت