والبَحْثَ عنهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيَمهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ الْأَنيِسُ في الوَحْدةِ، والصاحِبُ في الخَلْوَةِ، والدّلِيل على الدِّين، والمُصَبِّرُ على السرَّاءِ الضَّرَّاءِ، والوَزِيرُ عِندَ الْإخِلَاء، والقَرِيبُ عندَ الغُرَباءِ، وَمَنارُ سَبيلِ الجَنّةِ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أقْوَامًا؛ فيجعلُهُمْ في الخَيْرِ قَادةً سادةً هُدَاةً، يُقْتَدَى بهم، أَدِلِّةً لِلْخَيرِ، تُقْتَفَى آثارُهمْ، وَتُرْمَقُ أَفْعالُهُمْ، وَتَرْغَبُ الملائكةُ في خُلَّتِهمْ، وبأَجنِحَتِهَا تمْسَحُهُمْ، وَكُلُّ رَطْبِ ويابسٍ لهُمْ يَستغْفرُ، حَتَّى حِيتَانُ البَحْرِ وَهَوامُّهُ، وَسِبَاع البَرِّ وَأَنْعامُهُ، والسَّماءُ وَنُجُومُها؛ لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوب مِنَ العَمَى، وَنُورُ الأبْصَارِ مِنِ الظُلَمِ، وَقوَّةُ الأبْدانِ مِنَ الضَّعْفِ، يَبْلُغْ بِهِ العَبْدُ مَنَازلَ الأَبْرارِ، والدَّرَجَاتِ العُلَى، وَمُدَارَسَتُهُ بالقيام به يُطاع اللهُ عزَّ وجلَّ، وَبِهِ يُعْبَدُ، وَبِهِ يُوَحَّدُ، وَبِهِ يُمَجَّدُ، وَبِهِ يُتَوَرَّعُ، وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَهُوَ إِمَامٌ وَالعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمَهُ السُعَدَاءُ، وَيُحْرَمَهُ الْأَشْقِيَاءُ.
يَا طَالِبَ العِلْمِ لَا تَبْغِ بِهِ بَدَلًا
.فَقَدْ ظَفَرْتَ وَرَبُّ اللَّوْحِ وَالقَلَمِ
العِلْمُ أَشْرَفَ مَطْلُوْبٍ، وَطَالِبُهُ
.للهِ أَفْضَلُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: مُعَلِّمُ الخَيْرَ وَالمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ لِسَائِرِ النَّاسِ بَعْدُ خَيْر. وَعَنْ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا بَقِيَ الْأَوَّلُ حَتَّى يَتَعَلَّمَ الْآخَر، فَإِذَا هَلَكَ الْأَوَّلَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْآخَرَ هَلَكَ النَّاسُ. وَرُوْيَ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ دُعِيَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عَظِيْمًا. وَقَالَ اِبْنُ مَسْعُوْدٍ -رَضِيَ اللهُ عُنْهُ-: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيْهِنَّ وُالعَمَلُ بِهِنَّ. وَقَالَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعَاةً، وَلَا تَكُونُوا لَهُ رُوَاةً، فَقَدْ يَرْعَوِي مَنْ لَا يَرْوِي، وَيَرْوِي مَنْ لَا يَرْعَوِي. وَقَالَ عَلِيُّ