وَإِنْ رَأَيْتَ عُنُقَ أَحَدِهِم اِشْرَأبَّتْ لِسُؤَالِ مُسْتَفْتِي، وَأَخَذَ يَخُضُّ فِي المَسْأَلَةِ يَمِيْنًا وَيَسَارًا، وَيَلُوكُهَا شَرْقًا وَغَرْبًا، فَإِنَّهُ التَّعَالُمِ المُصَاحَبُ بالتَنَمُّرِ، فَإِذَا أَتَيْتَهُ بِسُؤَالٍ آخَرَ فَتَرَاهُ يُرِيدُ الهُرُوبَ كَالْأَفعَى البَالِعَة، أَوْ الشُّرُودَ كَضَانٍ مِنْ لَبُؤَةٍ جَائِعَة، فَاعلَم أَنَّهُ التَّعَالُم المُهْلِكُ!
وَمَا دَرَى أُولَئِكَ الذِّينَ ضَلًَّ سَعْيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا، أَنَّ طَالِبَ العِلْمِ عِنْدَمَا يَتَصَدَّرُ لِدَرْسٍ أَوْ فَتْوَى، تَكُونُ قَدْ حَفِيَت قَدَمَاهُ، وَنَحُفَ جَسَدُهُ، وَشَابَ شَعْرُهُ، وَيَكُونُ لَهُ مِنَ المَشَايخِ مَا لُو أَرَادَ كِتَابَةَ أَسمَائَهُم لَسَطَّرَ مُجَلَّدًا فِيْهِم، وَيَكُونُ قَدْ قَرَأَ مِنْ الكُتُبِ مَا لُو أَرَادَ أَنْ يُحْصِي أَسمَاءَهَا لَكَتَبَ فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا آخَرَ!
فَهَذَا الْإِمَامُ النَّوَوِيِّ -رحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- كَانَ يَحْضُرُ فِيْ اليَوْمِ اِثْنَي عَشَرَ دَرْسًا [معالم في طريق طلب العلم/83] ، وَقَالَ الحُرُّ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَن"طَلَبْتُ إِعرَابَ القَرآنِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ثَعْلَب"مَا فَقَدْتُهُ فِي مَجْلِسِ نَحْوٍ وَلَا لَغَةٍ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةٍ -أَيْ إِبرَاهِيْمٍ الحَرْبِيِّ-" [المصدر السابق/86] ، وَهَذَا نُعَيْم المجمر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- تِلْمِيذِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جَالَسَ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ أَبَا هُرْيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عِشْرِينَ سَنَةً مُتَوَالِيَةً، فَأَصْبَحَ مِنْ أَخَصِّ تَلَامِيْذِهِ، وَجَالَسَ عَبْدُ اللهِ بنُ نَافِعٍ الْإِمَامَ مَالِكٍ خَمْسًا وَثَلَاثِيْنَ سَنَةً [المصدر السابق/89] .
وَأَمَّا الزُّهرِي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فَإِنَّهُ قَالَ"مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَةَ سَعِيْدٍ بنِ المُسَيِّبِ ثَمَانِيَ سِنِينَ [صلاح الأمة في علوّ الهمّة1/ 185] ، وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-"اِختَلَفتُ مِنَ الحِجَازِ إِلَى الشَّامِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَا اَستَطرَفَتُ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَلَا وَجَدْتُ مَن يُطْرِفُنِي حَدِيثًا"."
وَأَمَّا أَمِيْرُ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، فَقَد قَالَ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عَنْهُ"يُقَالُ إِنَّ عَدَدَ شُيُوخِهِ سِتُّمِائَةِ شَيْخٍ" [سير أعلام النبلاء7/ 229] .