وَهَذَا أَبُو حَنِيْفَةَ النُّعْمَان -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يَتَكَلَّمُ عَنْ طَلَبِهِ لِلعِلْمِ فَقَالَ"قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُسأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَجَبْتُ فِيْهِ، فَسَألُوْنِي عَن أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيْهَا جَوَابٌ، فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَلَّا أُفَارِقَ حَمّادًا -يَعْنِي اِبنَ أَبِي سُلَيْمَان- حَتَّى يَمُوْتَ؛ فَصَحِبْتُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً [المصدر السابق6/ 398] ."
وَإِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يَقُولُ"مَا أَجَبْتُ فِي الفَتْوَى حَتَّى سَأَلْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي: هَلْ تَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ؟ سَألتُ رَبِيْعَة، وَسَألتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ؛ فَأَمَرَانِي بِذَلِكَ [صلاح الأمة1/ 195] ، وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-"كَانَ الرَّجُلُ يَخْتَلِفُ إِلَى الرَّجُلِ ثَلَاثِيْنَ سَنَةٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ [سير أعلام النبلاء8/ 108] .
قَالَ أَبُو الفَرَجِ اِبنِ الجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مُتَحَدِثًا عَنْ قِرَاءَتِهِ لِلْكُتُبِ"وَإِنِّيْ أُخْبِرُ عَنْ حَالِي، مَا أشبَعُ مِنْ مُطَالَعَةِ الكُتُبِ، وَإِذَا رَأَيتُ كِتَابًا لَمْ أَرَهُ، فَكَأنِّي وَقَعْتُ عَلَى كَنْزٍ، وَلَقَدْ نَظَرْتُ فِيْ ثَبَتِ الكُتُبِ المَوْقُوفَةِ فِي المَدْرَسَةِ النِّظَامِيِّةِ، فَإِذَا بِهِ يَحْتَوي عَلَى نَحْوِ سِتَّةِ آلَافِ مُجَلَّدٍ، وَفِيْ ثَبَتِ كُتُبِ أَبِي حَنِيْفَة، وَكُتُبِ الحُمَيْدِيِّ، وَكُتُبِ شَيْخِنَا عَبْدِ الوَّهَابِ وَابنِ نَاصَرٍ وَكُتُبِ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ الخَشَّابِ وَكَانَتْ أَحْمَالًا، وَغَيرَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ أَقْدِرُ عَلِيْهِ، وَلَو قُلْتُ أَنِّي طَالَعْتُ عِشْرِينَ أَلْفَ مُجَلَّدٍ كَانَ أَكْثَرَ وَأَنَا بَعْدُ فِي الطَّلَبِ [صيد الخاطر/448 - 449] ."
وَمَنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ فِي جَرْدِ المُطَوَّلَاتِ، وَفِي سَبْرِ كُتُبِ السِّيَر وَالتَّرَاجِمِ، رَأَى أَضْعَافَ هَذَا.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ النَّاظِرَ إِلَى الحِوَارَاتِ فِي مُنْتَدَيَاتِ الحِوَارَاتِ، يَجِدُ ضَرْبًا مِمَّا سَبَقَ ذِكْرهُ، وَلَو أَنَّ الْأَمْرَ وَقَفَ عَلَى التَّعَالُمِ لَكَانَ أَهْوَنَ قَلِيْلًا، وَلَكِنَّهُ تَعَدَّى إِلَى التَّطَاولِ عَلَى بَعْضِ المُسَلَّمَاتِ الشَّرعِيَّةِ، وَمَا يَعْرِفُهُ كُلُّ طَالِبِ عِلْمٍ! وَهَذِهِ نَصِيْحَةٌ لِنَفْسِي قَبْلَ غِيْرِي، فَلَا أَحَدٌ مُحَاسَبٌ بَدَلِي عَنْهَا: