ومن تفكّر في هذا علم عظمة هذا الدين وإحاطته لما يصلح النفس والبشر، زإلاّ فأي دين أعظم من أني يجعل تمام العبودية لا تقوم إلا على إحسان المرء للفظه وتقويمه للسانه وتثقيفه لمنطقه، وأيّ خير أعظم من هذا الذي لا يطلب من أتباعه الحسن فقط، بل يشدهم إلى الأحسن لا ليتمّ الفضل فقط، بل ليضع التفضيل أيضًا.
والناس من أهل هذا الدين في هجر وإعراض عن هذا الذي كان عليه أهل هذا الدين حقًا، فهذه أمّنا عائشة رضي الله عنها علمها في أشعار العرب لا يجهله عارفٌ بسيرتها، وكذا حال طلاب الشعر من تلاميذ ابن عباس رضي ال عنه وكذا رجال الحديث وعنايتهم لجودة ألسنتهم من خلال حسن اللفظ من نثر وشعر، وها هو الشافعي يمدحه عصريّه الجاحظ مدحًا لا يقوم لغيره من أهل اللغة، وقد قال الأصمعي: (أخذت شعر الهذليين من فتى في مكة يدعى محمد بن إدريس الشافعي) ، وهذا كله جعل لعلومهم مع ما فيها من جودة الفهم وقوّة الاستنباط وعمق الإدراك حسنًا آخر في صياغتها وأسلوبها.
ومقصد الآية الأول هو التنبيه على حسن القول، وهو دعوة قرآنية في كل باب من محادثة ومناظرة كما قال تعالى: {وجادلوهم بالتي هي أحسن} ، وكذا في رد واعتراض كما قال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} لأن الحسن مطلوب في كل باب.
- {إن الشيطان ينزع بينهم} ...
هذا الصراع المتجدد والمتعدد، وهو الذي لا يقف عند حدّ ووقت، بل هو وقوف عند كل سبيل: وامتحان عند كلّ نفس، إنه الصراع بين العبودية لله - عبادي - وبين الشيطان.
حتى في هذا النوع من المواقف هو موقف حرب وابتلاء وطعن، كما هو واضح في قوله تعالى: {ينزع بينهم} والنزع هو الطعن، فتنبّه لهذا لتعلم أي خطورة خلقت فيها، وأي شيء يُراد منك وبك.
والآية تدلّ على أن الكلمة القبيحة الرذلة هي سلاح من أسلحة الشيطان، وهي مركب من مراكب حربه للمؤمنين، وهي باب من أبواب ولوجه على الإخوان ليعمل عمله، فيبيض ويفرح وتنمو ثماره النجسة، فإن قال العبد لأخيه أو في حديثه ما ليس حسنًا حضر حينها الشيطان وأعمل عمله، والشيطان عدوّ، وبئس الرجل الذي يعطى عدوّه سلاحًا يضربه ويهلكه، بل يجب عليه عداؤه ومحاربته، وأعظم ما يضيق على الشيطان ويخضل به هو