وقبل أن يتمثّل المسلم الصور البشرية المختزنة في هذه الآيات العظيمة فإنّه لا بدّ أن يَعْلَم ما في داخلها من معادلات، وكيف تعرض هذه الآيات فضائح المخبوء في هذه الصور القبيحة - صور المنافقين -
المعادلة؛ الشقّ الأول: الدعوى، الشقّ الثاني: الحقيقة.
الدعوى:
1) {يعجبك قوله في الحياة الدنيا} :
الإعجاب بالحديث يقع في النفس لسببين: البلاغة والموافقة؛ فالمرء يمدح القول ويتفاعل معه إذا رأى فيه قوّة الخطاب، فهي كالسحر - كما سمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فالجمل البلاغيّة وصبّ المعاني في قوالبٍ من اللفظ الحسن تدعو السامع ولا بدّ إلى الإعجاب، والإعجاب هو مقدّمة قبول القول وقائله، لأنّ الإعجاب مبنيّ على الاستحسان، والاستحسان لا يقع إلاّ بعامل الرضا.
وههنا القرآن الكريم يكشف لنا عن مزلق من المزالق التي يقع فيها الكثير من الناس جهلًا، ويستخدمها دعاة الشرّ خبثًا، إنّه مزلق جمال الخطاب وقوّة البيان وحسن صياغة الأفكار، وهذا المزلق استُخدِم كثيرًا في تاريخنا، كما يُستخدم اليوم كثيرًا في واقعنا، فكم من داعٍ على أبواب جهنّم تمكّن بحسن بيانه وقوّة خطابه أن يأسر الناس إليه، ويسوق الجموع إلى فكره وعقيدته، فعلى العاقل الفطن أن لا ينساق إلى هذا المزلق، فلا تغرّه الظواهر التي تزيّن الباطل، بل عليه أن ينظر إلى حقيقة الموضوع وإلى المعاني الجوهريّة، فيدرس الأمور دراسة الوعي والعلم، لا دراسة الجمال والزينة.
ثمّ إذا نظرنا إلى الجانب الآخر من هذه المسألة لوجدنا كذلك أنّه من اللازم على دعاة الحقّ أن لا يغفلوا عن تقديم ما عندهم من حقّ وخير بأحلى عبارة وأجمل خطاب، إذ عليهم أن يتخيّروا العبارت والصور البيانيّة ما يكون داعيًا للسامع أن يُقبِل على ما عندهم من هُدى، ولا نعني بهذا أن نجمّل الحقَّ بالشهوات، وأن نخلط الحقّ بالباطل، لأنّ الكثير من الناس يتمنّون أن يَعرضوا القرآن برغيف من"الساندويتش"أو أن يَلبس السنّة ثوب امرأة حسناء ليسارع الناس إليهما.
وليس هناك مثل القرآن أعظم في هذا الباب، فهو {أحسن الحديث} ، ولهذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به"مثل الريحانة، ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به مثل الأترجة، ريحها طيّب وطعمها طيّب، ومثل المؤمن"