الصفحة 15 من 99

الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها حلو ولا ريح لها"، وهذا يدلّ على أثر القرآن واتّخاذه وسيلة في الحجاج والحديث، ودوام الاستشهاد به، فإنّ الريح الطيّبة مدعاةٌ للقرب والقبول."

والقصد من هذا بيان؛ أنّ اللفظ الحسن لا يصحّ أن يتّخذ حاكمًا على قضيّة من القضايا، كما أنّه كذلك لا ينبغي لأهل الحقّ أن يُعرضوا عنه لأثره على النفوس والقلوب.

وأمّا الشقّ الثاني الذي يقع بسببه الإعجاب؛ فهو الموافقة لما يقوله المتحدّث، والإعجاب ههنا بهذا الصنف من الناس يقع بسبب إظهاره موافقة أهل الحقّ لما عندهم، وإن كان هو في حقيقة الأمر يستخدم هذا لما يريده فيما بعد ذلك من المخاصمة وإثارة الشبهات وتزوير الحقّ الذي عند المؤمنين، لقوله سبحانه وتعالى: {وهو ألدّ الخصام} .

وهذا كلّه على اختيار أنّ قوله تعالى: {في الحياة الدنيا} متعلّقٌ بقوله سبحانه {يُعجبك} ، أيّ أنّك تستحسن قوله ما دام في هذه الدنيا، لأنّه لا يصدر منه إلا القول الحسن، فهو يتكلّم بما يوافق ما عندكم من الحقّ والخير.

وقال بعض أهل العلم: إنّ قوله تعالى: {في الحياة الدنيا} متعلّق بقوله: {قوله} ، أي أنّه يتقن الكلام فيما هو من شأن الدنيا.

والذي أراه - والله أعلم -؛ أنّ القول الأوّل هو الصواب، فإنّ إعجاب المؤمن بكلام المرء لا يكون إلاّ حين يتكلّم المرء بكلام الدين والحقّ، وأمّا كلام الدنيا فليس هو معيار الإعجاب عند المؤمن، ثمّ إنّ مراد الآيات هو بيان مخالفة كلام المرء بقوله الحسن مع فعله القبيح - وهو الإفساد في الأرض -

2) {ويشهد الله على ما في قلبه} :

إنّ أوّل ما يخطر على بالك عند هذه الكلمات أن تسأل: لماذا يُسارع المجرم والمُبطِل - غالبًا - إلى نقل الموضوع الذي يدور حوله الخلاف إلى المنطقة الخطأ؟ ولماذا يحاول المبطل - غالبًا - التنبيه على ما يمكن أن يتّهم به لقرائن الحال؟!

فههنا رجل لو كَشَفَ الله تعالى عن قبله لرآه الناس من أقبح القلوب وأشنعها، ولأبصروا فيه أفاعي الشرّ وعقارب السوء، وهوام الحسد والحقد، وغيلان الزور والكذب، وهو مع ذلك يستهتر بربّه، وقد جعله من أهون الناظرين إليه، فالحديث معه يدور حول فعله القبيح - الإفساد في الأرض - فلماذا ينقله إلى أمر لا يمكن الاطلاع عليه على الحقيقة إلا من خلال هذا الظاهر، والقصد أنّ نقل الحوار والمناقشة إلى هذه المنطقة من الحديث هو نقل تعسُّفيّ يُراد منه إدخال الناس في الحوار الخطأ وصرف النظر عن القضيّة المهمّة، وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت