فكان بعد ذلك أن قال: {وهو ألدّ الخصام} ، وكلمة"ألدّ"تقطع النَفَس الذي انساب قبل قليل مرتاحًا مع قوله سبحانه وتعالى: {ومن الناس ... } ، فهي كلمات تتأنّى في قراءتها وكأنّك تسير مع سهل منبسط تحت قدميك، ولكن للحظة مفاجئة تأتي الهزّة: {وهو ألدّ .. } ، إنّها نفس الحالة الواقعية في تعامل المسلم الموحّد مع هذا الصنف من البشر.
فتذكّر هذا مع كلّ آيات الكتاب تراه جليًّا واضحًا.
وتذكّرها فيما يأتي من قوله سبحانه {ولبئس المهاد} ، فكلمة المهاد تبعث على الراحة والهناء، ولكن ما قبلها يرفع هذا المعنى إلى ضدّه؛ {ولبئس} ، فكأنّك مع فراش وثير في ظاهره ولكن حقيقته الشقاء والتعب، إنّه نفس الخداع الحاصل من حال هؤلاء المنافقين - الظاهر شيءٌ والباطن شيءٌ آخر -
فتذكّر هذا مع القرآن ولا تنساه.
إنّه؛ {وهو ألدّ الخصام} ، هذه أوّل علامة من العلامات الدالّة على قبح صورته الحقيقية من غير تزوير وتخييل، عوج المجادلة فلا يستقيم على حقّ في خصومة، و"اللدّ"في اللغة؛ شدّة الخصومة وعوجها، فهو لا يخضع لحقّ ولا يقبل دليلًا ولو أتيته بملء الأرض حججًا.
إنّ مقابلة هذا الصنف من البشر هي أسوء ما يمكن للمرء أن يلقاه في حياته، ولكنّ صورها في الواقع كثيرة وكثيرة جدًّا، إنّ من صور هذه الكلمات في واقعنا وفي حياة البشر: كلّ من حاجج بباطل، وكلّ من استخدم الكذب في حواره، وكلّ من تعالى عن قبول الدليل الحقّ، أو أخرج أي بحثٍ عن موضوعه من أجل التمويه والغلبة، وكلّ من آنف أن يعترف للآخر بالحقّ والصواب.
وفي هذه الكلمات الربّانية تسلية للمؤمن ولصاحب الحقّ؛ أنّه وإن فاتته الغلبة على خصمه المجادل لتصرّفه بالكلام المعسول، أو لتركيبه مقدّمات متناقضة للوصول إلى أهدافه، فإنّه وإن ضاع حقّه في الدنيا فلن يضيع عند الله تعالى.
وفيها الردّ على من ظنّ أن نهاية أي حوار بين حقّ وباطل، بين سنّة وبدعة، بين صواب وخطأ، ينبغي أن ينقطع الباطل في جداله وسكوت صاحبه، لا، إنّ هذا القول خطأ ولا شكّ، فإنّ من قاس ميزان الصواب والخطأ بهذا المقياس سيجني على نفسه الشرّ ولا شكّ، ولكن لنتذكّر أنّ للحقّ نورًا وعلامات.