ذكر الذهبي في السير [11/ 249] في كلامه عن المحنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، قال: قال صالح بن الإمام أحمد عن أبيه: (فإذا جاء شيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنّة، قلت: ما أدري ما هذا) .
والقرآن الكريم علّمنا أن نعرض عن المجادل المعاند، واقرأ إن شئت قوله تعالى: {لا حجّة بيننا وبينكم} ، فإنّها جليّة واضحة في أنّ حججنا عند المعاندين لا تُقبَل لعدم اهتدائهم بها، ولأنّهم لا يُقيمون لما نحتجّ به رأسًا، فإنّهم لا يعتبرون أنّ الكتاب والسنّة يقطعان حجج المناظر، كما أنّ أدلّتهم من الباطل لا نقيم لها شانًا، فليس هناك من أرضيّة مشتركة للحوار بين الموحّد وبين المعاند.
وهذا إن تفكّر المرء به في هذا الزمان؛ رأى أن الكثير من الزاعمين لفتح الحوار بين الأديان أو بين المذاهب للتقريب بينها فيما يزعمون إنّما يضطرون إلى مسايرة أهل الباطل في الكثير من مبادئهم وذلك بِكَتْم بعض ما أنزل الله تعالى أو بتأويل بعض معانيه ظانّين أنّ عداء اليهود والنصارى لدين الله تعالى إنّما هو لعدم فهمهم للدين، ولذلك راحوا يشرحون الإسلام بصورة - زعموا أنّها الحق - بها يرضى اليهود والنصارى عن الإسلام، وهي في الحقيقة صورة تشوّه الإسلام ولا تحسّنه.
ولذلك صدق من قال: إنّ الله لما علم أنّ في الناس من لا ينفعه الكتاب الذي أنزله الله، أنزل معه الحديد فيه بأس شديد لعلمه أنّه لا يُخرج المراءَ من أدمغة أهل اللجاج إلا الحديد.
وإلاّ فماذا يصنع المسلم مع من يقول: {ربّنا عجّل لنا قطّنا} - أي عذابنا -؟ إنّ الجواب هو؛ قوله تعالى: {إصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنّه أوّاب} .
إنّ هؤلاء القوم: {ولئن جئتهم بآية ليقولنّ الذين كفروا إن أنتم إلاّ مبطلون} ، {فإنّك لا تُسمع الموتى ولا تسمعُ الصمَّ الدعاءَ إذا ولّوا مدبرين، وما أنتَ بهادِ العمي عن ضلالاتهم إن تُسمِع إلاّ من يؤمنُ بآياتنا فهم مسلمون} ، فالفصل بين الناس ليس في هذه الدنيا، إنّما هو ليوم الفصل، يوم القيامة، ومن ظنّ أنّه يمكن الفصل بين كلّ المختلفين في هذه الدنيا فهو مضيّع لوقته في غير ما فائدة.
ولذلك كان الواجب على المسلم أن يبيّن الحقّ كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تبديل، وبالطريقة النبوية التي عرض بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدين، وكلّ زعْمٍ أنّ هناك طريقة أسلم أو أعلم من طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو زعمٌ ضالٌّ مبطل.
الحقيقة: