الصفحة 19 من 99

1) {وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسدَ فيها ويُهلِكَ الحرثَ والنّسلَ والله لا يحبُّ الفساد} :

فهذه هي الحقيقة التي تكذّب كلّ الدعاوى اللفظيّة، وهي التي ينبغي أن يُحكَم على المرء من خلالها، فإنّ آلاف المحسّنات اللفظيّة لا يمكن أن تقفَ أمام حقيقةٍ واقعيّة، وإنّ الأيمان المغلّظة المزعومة لا يمكن أن تثبُتَ أمام حجج الواقع العيانيّة.

إنّها تكشف استخفاء هؤلاء القوم، فهم أمام المؤمنين يتكلّمون الكلام الحسن، ويبشّون في الوجوه، ويحلفون إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، فإذا طلب منهم العمل المؤيّد لما يقولون لم يأتِ منهم إلا الشرّ، فإذا خرجوا من عندك - {إذا تولّى} - ملأ الدنيا شرورًا وفسادًا؛ {سعى في الأرض} والسعي هو المشي السريع.

إنّها كلمات تملأ النفس بصورِ حكّام الردّة والكفر، فانظر - بالله عليك - إلى مطابقة الخبر الربّاني لمخبَر هؤلاء المجرمين.

فحسبنا الله ونعم الوكيل، كم خدعوا من جاهل وكم لبّسوا على الناس.

وههنا نقطة مهمّة جليلة؛ وهي الخلاف حول ميزان القبح والحسن، ميزان الخير والشرّ، ذلك لأنّ هؤلاء المجرمين من لددهم الباطل وجدالهم الفاسد ما كشفه الله تعالى بقوله: {وإذا قيلَ لهم لا تُفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدونَ ولكن لا يشعرون} ، فهم يسّمون إفسادهم إحسانًا.

ألم يسمّوا الزنا والدعارة حرّيةً وفنًّا؟!

ألم يسمّوا الخمر مشروبات روحيّة؟!

ألم يسمّوا الزندقة حرّية فكريّة؟!

ألم يسمّوا بيع البلاد والعباد سلمًا وإخاءً؟!

وهكذا تحوّل الفساد في الأرض إلى خير وجمال، وصار معيار الشيطان في الحقّ والخير هو المعيار والميزان.

ولكنّ قوله سبحانه وتعالى: {والله لا يحبّ الفساد} ، يقطعُ عليهم أهواءهم، فإنّه سبحانه وتعالى ما نهى عن أمرٍ إلا وفيه مفسدة، وما أمر بأمر إلا وفيه مصلحة، فهو سبحانه وتعالى له الخلق والأمر، ولا معقّب لحكمه.

2) {وإذا قيل له اتّق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد} :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت