الصفحة 20 من 99

وههنا دليلٌ آخر على كذب دعواه، وأنّه لا يُقيم لربّ العزّة شأنًا، وأنّ أمر الله تعالى عنده هيّن لا قيمة له.

فإنّه إذا نُوصِحَ أعرضَ وتولّى، بل {أخذته العزّة بالإثم} ، وانظر إلى هذا الكلام الربّاني: {أخذته} ، فكأنّها تنقله نقلة بعيدة، إنّها نقلةٌ إلى الشرّ، وما الحامل له على ذلك؟ {العزّة بالإثم} .

إنّه يتعامل مع حقائق باطنيّة ثابتة لديه؛ الإثم، فهو قرينه ووليّه، وهو مقياسه وميزانه، يغضب له وينتصر له ويتحاكم إليه، وهو مفتخر به، يتعالى بصحبته، والمرء المسلم يعتزّ بالحقّ وبانتسابه إليه، ولكنّ هذا؛ عزّته بالإثم، فانتصاره له يحكم مواقفه، ومحبّته له تسيّر خطواته، فإذا كان الخيار بين؛ {إتّق الله} ، وبين؛ {العزّة بالإثم} ، كان المقدّم عنده: {العزّة بالإثم} .

وههنا نكتة لا بدّ من ذكرها وهي تكشف الحقائق المخفيّة؛ رجلٌ في حال السعة والرخاء وترتيب المواضيع على مهل وتؤدة؛ يُعجبك قوله، فهو محضر نفسه للعرض أمام المؤمنين، ألبَسَ نفسه القناع، ولكنّه في هيجانه الشيطاني وخلال سعيه الدؤوب للإفساد في الأرض، لو فاجأه موحّد بقوله:"إتّق الله"! تفجّرت حينئذ الحقائق وكشف عن مخبوء نفسه وفجأة: {أخذته العزّة بالإثم} .

ولم تبيّن لنا الآية ماذا فعل حين {أخذته العزّة بالإثم} ، لأنّ الترك ههنا - كما هو في كلّ موضع - من أبلغ الإملاء والإحاطة.

- {فحسبه جهنّم ولبئس المهاد} :

وههنا سأتكلّم عمّا شعرت به في نفسي حين وقفت وكلّما وقفت على هذه الخاتمة: إنّه شعور الرضا، شعور الأمان بأنّ الله لن يترك هؤلاء على آمالهم الكاذبة، وشعور الثقة أنّ الله هو الحقّ المبين، وأنّه سينتصر للضعفاء وسيذلّ المستكبرين، ثمّ هي تبيّن عاقبة هذا المكر السيّئ وهذا النفاق القبيح، ما الذي سيجنيه؟ أيظنّ أنّه يخدع ربّ العالمين، وسيأخذ الدنيا والآخرة؟ لا والله! بل {حسبه جهنّم ولبئس المهاد} .

والحمد لله ربّ العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت