الصفحة 22 من 99

أن يكتب المرء في التفسير في هذا العصر لا يمكن أن ينفع الناس ولا يستطيع أن يقدّم شيئًا زائدًا عمّا قاله الأوائل إن لم يكن مقهورًا للكلمة أسيرًا لها, يريد بها إصلاح أمر وتقويم قضيّة, يعالج ما ألمّ فيكوي ويجرح ويؤلم ولكن إن بارك الله تعالى في عمله أشفى وأبرأ, وإلا كان جامعًا معيدًا لما قاله المتقدّمون من روايات, وفي نهاية الأمر وبعد انتهائه من تأليف كتابه ينطبق عليه قول من قال في بعض المؤلّفات: لو قيل لكلّ كلمة فيها ارجعي إلى مكانك لم يبق له منها كلمة.

نعم هو لا يعدم الفضل ولكن هنا ك فرق بين من أراد هذا وبين من أحسّ بالأمر ضرورة فصرخ وأجلب بالخير ليمحو به الكثير من الشرور.

فما كتبه الأستاذ سيّد قطب في كتابه الطيّب - في ظلال القرآن - هو أقرب ما يكون من هذا اللون والنّمط, ذلك أنّه رأى هذه الوحدة الجامعة في كتاب الله لقضيّة الألوهيّة, وهي مدار القرآن الذي أُنزِل من أجلها, ورأى من واقعه ما يقابلها خلافًا ومعاندة, فبدأ ينسج من مقتضيات ولوازم هذه القضيّة من الأحكام ما يردّ على دعاوى الجاهلية المعاصرة, المتجدّدة على هيئة خبيثة من التزوير والتزيّن الذي يخفي حقيقتها المستورة, مع ما أعطاه الله تعالى من البيان الصارم الذي لا يهتمّ كثيرًا بسجع المتأخّرين ولا تنميقاتهم اللفظيّة, بل جعل الجمال أكثر ما يكون حين يكون المعنى جيّدًا وصحيحًا, فتطربك المعاني, وتهتزّ لها, وتغبطه عليها, على شرط واحد أن لا تكون متعصّبًا لصيغ وأنماط التفسير التي يظنّ أنصارها أن القرآن لا يصلح إلاّ لها, ولا يمكن أن يُبسَط إلاّ من خلالها.

حيث يعترف المرء أن الفقيه من حقّه أن يأخذ من القرآن حظوظه, وأن البيانيّ والبلاغيّ له من الحقّ أن يأخذ بغيته, فمن الواجب علينا أن نقرّ للإنسان المسلم أن يأخذ من القرآن راحته واطمئنانه, فحينئذ يعبّر الفقيه عن حظوظه بلغته, ويشرح البلاغيّ والبيانيّ ما أخذ بعبارته, وكذا من حقّ المتذوّق لإنسانيّته في القرآن الكريم أن يشرح للناس عواطفه وأحاسيسه مع هذا الكتاب العظيم الجليل.

فمن أعرض عن قراءته فله ذلك, فهو أدرى بنفسه ماذا يحبّ وماذا يشتهي وماذا يريد, لكن ليس له أن يحجر على الآخرين ويقيّد الكلّ في ذاته ومراده, وهذا النوع من الكتابة لم يكتب ليأخذ به شهادة العلم والتقدير, ولم يكتبه كذلك ليأخذه الناس فيستشهدوا به في أبحاثهم وعلومهم, فهو لم يرد هذا وليس هو في نيّته, لكنّه شعر بقهر الكلمة له وأسرها له, فكتب, فإن شئت قرأت, وإن شئت أعرضّت, ولن يضيره في ذلك شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت