لا يعني كلامنا أبدًا فتح الباب لكلّ من هبّ ودبّ, فالفهم الصحيح له قواعده وله أصوله، ولا يستطيع أحد معه مسكة من عقل أن يجعل الأمر نهبًا لكلّ أحد، وهذا الأمر - أعني التفسير - هو ككلّ أمور الحياة العلمية لا يمكن للمرء أن يصيب مراده إلاّ بقواعد وأصول صارمة، ولكنّ الحديث هنا ليس عن الخطأ والصواب في مسألة علميّة وفهم مراد الربّ منها، ولكن حديثنا عن الحق ّالمطلق لكلّ عالم أن يأخذ حظّه من كتاب الله تعالى في أيّ مسألة من نواحي الحياة ودروبها سواء كانت علميّة أو عمليّة، وأن يكتبها على أيّ وجه كان ملتزمًا بالقواعد الصحيحة، والأصول العلميّة الواضحة.
فإنّ كتاب الله تعالى هو كتاب هداية لكل مناحي الحياة، وكتاب بصيرة لكلّ مشكلة, وكتاب علاج لكلّ طوارق الدروب, فالناس نوازعهم شتّى, وظروفهم مختلفة, وميولاتهم متعدّدة, وكتاب الله تعالى يقوم لذلك كلّه.
هذه وغيرها إن أقررنا بها علمنا خطأ من أغلق باب الفهم عن الله في كتابه, وانحراف زَعْم من زَعَم أنّه ,ما ترك الأوّل للآخر شيئًا , فإن كان القرآن قد توقّف نزوله بموت النبيّ ولحوقه بالرفيق الأعلى, ونحن نعلم أنّ ما عند الله خير لرسول الله, لكنّنا نجزم أن تنزلات الرحمة والفهم ستبقى ممدودة موصولة بين السماء والأرض ما دام القرآن بين أيدي المؤمنين به, يقرؤونه ويتذوّقونه, فتبكيهم آياته, وتزيدهم هدى فوق هداهم, وتفتح عليهم من المعارف والمعاني ما يحمدون الله تعالى عليها.
ولهذا سيتجدّد في الناس من يصرخ صرخة سيّد قطب حين قال: (لقد وجدت القرآن) . أو يقول ما قاله والد شاه ولي الله الدهلوي لابنه: (يا بنيّ، اقرأ القرآن وكأنّه عليك ينزل) .
نعم هذا النوع من البيان ليس هو من النوع الواجب, بل قد يمنعه أقوام بحجّة ذاتيّته, والناس يريدون من المفسّر فهم الموضوع مجرّدًا لا دخل للمفسّر ولا لمشاعره ولا لعواطفه, وأنا أظنّ أن هذا الفصل بين الذاتيّة والموضوعيّة ضرب من الخيال الذي لا وجود له, فإنّ انتقال القرآن من كونه نصًّا تكلّم الله به إلى تفسير مسلم موحّد له بلفظه وعبارته سيكون المزج تمامًا بين الكلام والأثر, أي بين كلام الله تعالى وبين الهداية الحاصلة في القلب والعقل, فمن أراد قراءة النصّ والكلام وحده فلن يمنعه أحد, بل هو الأصل والمطلوب من كلّ مسلم, ولكن حين تطلب تفسيرًا فإنّك تطلب أثر هذا النصّ على إنسان بعواطفه ومشاعره وعلومه ومعقولاته, فهاتان قراءتان لكلّ منهما ظروفها وأهدافها.