ولعلّنا نحبّ كثيرًا أن نقرأ ما في نفوسنا من كلام الآخرين، وحين يتمّ التطابق بين المقروء وبين ما في نفوسنا سنصرخ بكلّ جوارحنا؛ هذه والله هي البلاغة، وهذا هو تعليم الله لعباده أو كقول القدماء؛ للّه درّك! لقد أتيت على ما في نفوسنا.
فجلال المعنى الحاصل في النفس ووضوحه وتبيّنه هو الذي يعطي للكلمة جمالها، ويحبّب للنّاس سماعها وهذا هو الذي يُطرب له ويُصغَى له ويعلم الناس أنّه ذوّاق رفيع النفس، أديب العقل والقلب، يفهم عن نفسه فيفهم الناس عنه.
قال عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز: (خبّرنا عمّا اتّفق عليه المسلمون من اختصاص نبيّنا عليه السلام بأن كانت معجزته باقية على وجه الدهر أتعرف له معنى: غير أنّه لا يزال البرهان منه لائحًا, معرضًا لكلّ من أراد العلم به, وطلب الوصول إليه, والحجّة فيه وبه ظاهرة لمن أرادها, والعلم بها ممكنًا لمن التمس؟ فإذا كنت لا تشكّ في أنّه لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلاّ أنّ الوصل الذي له كان معجزًا قائمًا فيه أبدًا, وانّ الطريق إلى العلم به موجود, والوصول إليه ممكن, فانظر أي رجل تكون إذا أنت زهدّت في أن تعرف حجّة الله تعالى, وآثرت فيه الجهل على العلم, وعدم الاستبانة على عدم وجودها. وكان التقليد فيها أحبّ إليك, والتعويل على علم غيرك آثر لديك, ونحِّ الهوى عنك, وراجع عقلك, واصدق نفسك, تبين لك فحش الغلط فيما رأيت, وقبح الخطأ في الذي توهّمت, وهل رأيت رأيًا أعجز, واختيارًا أقبح: مِمَّن كره أن تعرف حجّة الله تعالى من الجهة التي إذا عرفت منها كانت أنور وأبهر, وأقوى وأقهر, وآثر أن لا يقوي سلطانها على الشرك كلّ القوّة, ولا تعلو على الكفر كل العلوّ؟ والله المستعان) اه
فهذا هو والله المراد من كتاب الله ومن تلاوته وتدبّره؛ راحة نفسيّة، ومعاني شريفة، واطمئنان بال، وذهاب همّ، ومتعة تذوّق.
قال تعالى: {الله نزّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} .
فجعل سبحانه آثار هذا القرآن على القلب والنفس والبدن هي الهداية ومن لم يجعل له شيء من ذلك أو بعضه فهو على طريق الضلالة, ولقوّة هذا السبب في تحصيل هذه الآثار فإنّ غيره إن كان فيه هذه الآثار وله القدرة على تحصيلها فهو من مشكاته صادر, وهو أضعف ولا شكّ من الأصل, فمن لم يهتدِ به فهو عن غيره أبعد, وهذه الآية قالها الربّ