الصفحة 26 من 99

مع واقعه الذي غُيِّر وبُدِّل عن فطرة الله تعالى وأعرض عن شريعة الرحمن, آمرًا وناهيًا, مصلحًا ومقوّمًا, فسيدخل ولا شكّ مع القسم الثاني في التأليف الذي ذكرناه في أوّل المقال.

فالمصلح الحقيقي هو من انطلق من كتاب الله تعالى, قرأه فارتقى به, وانفعل معه, فأسرته الكلمة؛ وقهرته وحكمت على مشاعره وعلى جوارحه, فتحوّلت هذه المشاعر والمعاني إلى قذائف حقّ ضدّ الباطل الذي تهوي به البشريّة في جاهليّتها.

فهذا هو المصلح الذي بدأ مع القرآن ويسير معه ويموت من أجله. قال تعالى {أفمن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون} .

هذا أوّلًا.

أمّا ثانيًا: فإنّ كتاب الله تعالى لا يمكن أن يعطي آثاره كاملة ويحدث هذه المشاعر والمعاني حتّى يكون قارؤه ذوّاقًا للكلمة, عالمًا بها, يحسّ بجرسها على نفسه وعقله, فإنّ ما يميّز الإنسان على العجماوات هو البيان وهو سرّ الله في خلقه {الرحمن خلق الإنسان علّمه البيان} فإنّ من رحمة الله تعالى على الإنسان أنّه خلقه على هذه الهيئة القويمة الحسنة, وإنّ أعظم منّة على إنسانيّة هذا الإنسان بعد حسن الخلقة هو البيان, هذا في أصل الخلقة, وأمّا حين كان الأمر متعلّقًا ببداية المنّة الإلهيّة بالهداية والإرشاد فإنّ الله تعالى ذكر منّة ,القراءة وأداتها القلم. {اقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم} .

فالإحساس القويّ بالكلمة هو الذي يحفظ لهذا الإنسان إنسانيّته.

قال الشيخ الإمام محمود محمّد شاكر: (كلّ حضارة بالغة تفقد دقّة التذوّق تفقد معها أسباب بقائها, والتذوّق ليس قوامًا للآداب والفنون وحدها, بل هو أيضًا قوامٌ لكلّ علمٍ وصناعة - على اختلاف بابات ذلك كلّه وتباين أنواعه وضروبه - وكلّ حضارة نامية تريد أن تفرض وجودها وتبلغ تمام تكوينها, إن لم تستقلّ بتذوّق حسّاسٍ حادٍّ نافذٍ, تختصّ به وتنفرد لم يكن لإرادتها في فرض وجودها معنىً يُعقل, بل تكاد هذه الإرادة أن تكون ضربًا من التوهّم والأحلام لا خير فيه, فحسن التذوّق يعني سلامة العقل والنفس والقلب من الآفات أباطيل وأسمار) .

فتذوّق الكلمة الآسرة هو سرّ التفسير الأسير الصادق, والكلمة العربيّة لها ذوقٌ خاص بجرسها ودلالاتها, ففيها سحرٌ خاصّ قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ من البيان لسحرًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت