وهذا سرٌّ من أسرار العربية تتميّز عن غيرها به, والعربيّ الأوّل لمّا كان ذوّاقًا للكلمة, عالمًا بها, ملكت عليه حياته كلّها, فعماد حياته: عطاء ومنح, حرب وسلم, حبّ وبغض, ولاء وبراء .. كان مبناه على الكلمة, والتي هي أداة الإبانة عن النفوس, والقرآن كلام الله تعالى أبان لنا به عن نفسه, وفضل كلامه على كلام غيره كفضل الله على خلقه, فهو كلام عالم حكيم رحيم متكبّر, وكلامه هو إبانة لمقتضيات هذه الصفات الحسنى الجليلة, فحينئذٍ سيكون في كلامه جلّ جلاله: جليل المعاني وعظيم الغايات وأشرف الهدى, وسيكون فيه الحقّ الذي يطمس كلّ باطل, والنور الذي يذهب كلّ ظلمة, ولا يمكن لأحد أن يعرف ذلك حقّ معرفته إلاّ إن كان الناظر فيها, التالي لها ذوّاقًا لهذه الكلمات, وكلّما ازداد المرء بصيرة بهذه الكلمات كلّما ارتقى في درجات العلم بهذا الكلام.
قال تعالى: {الله نزّل أحسن الحديث} .
وهذا التذوّق لا يصنع رذيلة كما يفعل ذائقو الرجس الحرام, إنّما هو ذوق يصنع ملكات الخير والفضيلة, ولذلك حُقَّ لمن تذوّق الكلمة أن يُسمّى في لغتنا ,أديبًا , وعلى هذا فمن تذوّق هذا الكلام الحسن, وسرى في نفسه وقلبه وعقله, فإنّه ولا شكّ سيرتقي في أعمال الخير, وستسمو نفسه معه, وهذا فرقٌ بين أمّتنا وبين غيرنا, فأنت ترى ذواق الكلمة عندنا وفي تاريخنا هو الرجل الملتزم, فهو مثال لكلمته, وحقيقة لصورة عبارته.
قال أستاذ العصر وجاحظ الوقت وأديب العربيّة مصطفى صادق الرافعيّ: (والعجب الذي لم يتنبّه له أحد إلى اليوم من كلّ من درسوا الأدب العربي قديمًا وحديثًا, أنّك لا تجد تقرير المعنى الفلسفيّ الاجتماعيّ للأدب في أسمى معانيه إلاّ في اللغة العربيّة وحدها, ولم يغفل عنه مع ذلك إلاّ أهل هذه اللغة وحدهم) .
ففقه المرء للقرآن يُعرف حين تظهر آثار هذا القرآن على نفس الإنسان وعلى خُلقه وعلى سلوكه كما هو شأن النبيّ كما وصفته عائشة رضي الله عنها: (كان خُلقه القرآن) .
وكلّما ازداد المرء تذوّقًا لهذا الكلام الحسن كلّما ازداد قربًا من عبوديّته لهذا المتكلّم الجليل.
وهناك فرق بين التذوّق الفطري وهو المقصود به في القسم الأوّل وبين هذا التذوّق, وهو القائم على الأصول والقواعد والفهم والفقه, فالأوّل في داخل كلّ إنسان وهو يقع عن طريق الفطرة وإحساس المرء بإنسانيّته, أمّا هذا فهو لا يقع إلاّ بالفقه والتبصّر والإدراك والنظر المتوالي مرّة بعد مرّة في داخل كلام الله تعالى حتّى تعلم ما يريد, وتفقه على الله تعالى