وقد يظن البعض أن مجرد الحصول على رغد العيش وعدم المنازعة في وقت من الأوقات في بلدته وقريته مع وجود الذنوب والمعاصي وتحكيم شريعة الشيطان هو أمان يجب علينا أن نحميه وأن لا نضيعه، بل وصل بعضهم ممن خذله الله تعالى وأعمى بصيرته أن يقول إن الأمان والاستقرار مقدم على الحكم بالشريعة، وهذا القائل يحمل لقب داعية سلفي إسلامي، وعلى صدره نيشان لقب الدكترة في الشريعة الإسلامية.
ومثل هذه الأقوال وأشباهها بدأت تنتشر وتشيع بين المشايخ والمفتين والمدرسين، وكل طلبهم أن لا تثور"الفتنة"، حسب تعبيرهم يضرب الناس بعضهم بعضا، ويقتل الناس بعضهم بعضا.
وهؤلاء فساد تصورهم من جهات:
أولا: ظنوا أن الأمان هو رغد العيش وطيب المأكل والمشرب، وكثرة الرياش والأموال، ولم يعلموا أن هذا كله فتتة للخلق حتى يحصل الابتلاء والامتحان بعد عرض الإيمان عليهم، فإن آمنوا وأسلموا قيادهم لدين الله تعالى حصل الأمان وتمام النعيم وإلا فإن العذاب لابد واقع كما في الكثير من آيات الله تعالى الدالة على هذا المعنى.
ومن ذلك ما قصه ربنا سبحانه وتعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من قصة سبأ فقد كان لهم جنتان عن يمين وشمال، يأكلون، ويتمتعون، قال الله تعالى: {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا، فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأتل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} .
فعطاء الله تعالى يسبق البلاء، فحين يرى هؤلاء هذا العطا ما عليه الناس من الإعراض عن دين الله تعالى فيظنون حينها آن هذا دائم لا نهاية ولا نفاذ له، وتلك والله ناقرة أن تصيب من نصب نفسه مبلغا لدين الله تعالى.
ثانيا: إن صح قولهم بأن الأمان يمكن أن يكون مع غياب الشريعة، وأن الفتنة في حصول الفرقة والتنازع بين المؤمنين وأعداء الدين فهؤلاء ظنوا شرا بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه جاء وفرق بين الأب وبنيه، وبين الرجل وأخيه، وبين المرء وزوجه، وتقابل الأقرباء في صفين كل صف يقاتل الآخر، وكانوا قبل ذلك على رأي واحد وهوى لا يتنازعون فيه.