وفلسطين، لكنه القتل الحبيب إلى الله تعالى، لأن فيه معنى قوله تعالى: {ويتخذ منكم شهداء} ، ولا أريد أن استطرد في الحديث عن هؤلاء إذ فيهم إخوة أحبة حين أذكرهم لا أملك إلا دمعة تفر من عيني، لا أدري والله أهي دمعة فراقهم أم دمعة الاشفاق على نفسي حيث أرى الناس يركضون إلى رضوان الله تعالى وأنا حبيس ذنبي، مقيد بهواي لا أدري أين يصار بي في أودية هذه الدنيا المقفرة، وإلى ما يختم لي فيها، فيا رب العباد أطلقني من ذنوبي وبلغني منازلهم والحقني بهم من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
أما أنه عام الهداية فإي والله إنه لعام هداية، وهذا من عجيب الصنع بل أعجب من نسج مآقي الدمع، ووالله لولا ما علمناه من سر هذا الدين لذهبت النفوس تتردى في تعليل هذا وتفسيره، إذ كيف يقبل الناس على أمر فيه محنة؟! ? وكيف يتسابقون على ما فيه بلاء وعناء؟!
ففي وقت يضرب خصوم الإسلام هذا الدين وأهله عن قوس واحدة، وفي وقت يُتخطف شباب الاسلام في كل الصعد، والكل يرى هذه الحرب الشرسة الضروس على هذا الدين، ومع ذلك كله يتجدد عطاء هذا الدين، وتفور حكمة الإيمان به في القلوب، وتقبل النفوس العطاش إليه لترتوي من ماء عذقه الطيب الطاهر، فأي دليل يريد الناس أكثر من هذا على صدق منبته؟! وأي برهان يرجونه على أن هذا الدين لن يموت ولن تنطفئ جذوته ولن تخبو أنوار هدايته ولا نار قرع الخصوم على أم رؤوسهم منه؟!
أي والله إنه لدين حق، وإن جذوره في الأرض أمتن من أي تهزها نعيب الغربان أو نفخ الضفادع عليه لتطفئه، بل إن هذه الغربان بنعيبها والضفادع بنقيقها ونفخها هي من عوامل قوة هذا الدين، بهم يشتد ويقوى عوده واملوده.
في غمرة المحنة تبرز الهداية، فتقوى نفوس أهله به، لأن هذا ما وعدهم الله، وهم يعلمون أن أشد الناس بلاءً هم أهل الايمان، وكلما قويت صلة قلوبهم مع الله زاد امتحان الله لهم حتى يأتوا إلى الله وهم أطهر من الثلوج بياضًا ونقاءً، ليستحقوا فتح باب الجنان لهم.
وفي غمرة المحنة يأتي الناس العطاش إليه من كل صوب وحدب، وكأن نفوسهم فطرت على معرفة الحق من خلال محنته ومن خلال صمود أهله معه، إذ كيف بالله عليك يعرف الناس الحق من دون وجود هذا المثل أمامهم؛ وهم يرون الرمح الأشم يخترق صدر الفتى من ظهره حتى يخرج من صدره، فتنبعث الدماء الفوارة كبركان أمام عينيه، فيصرخ الفتى صرخة لو كانت من غيره لكانت صرخة الألم والجزع لكنها منه وهو الذي كان يرجوها صرخة الفرح والابتهاج، وتزغرد الكلمات بين شفتيه كأنه يشهد عرس الزفاف بل هو يشهده والله،