ثانيهما: أن الأنبياء الكذبة - وهم كثر - ومثلهم الدعاة الكذبة لا يكون نظرهم إلا إلى المال وجيوب أتباعهم، وقد عانت الشعوب من هؤلاء الكثير، يأتون وهم يزمزمون بالوعظ وعيونهم على جيوب الخلق، وكم رأينا من هؤلاء العجب العجاب، دعاة يختلفون مع أتباعهم على المال، وشيوخ يرضيهم من غضبهم على إخوانهم بعض المال وكان قول الله تعالى قد نزل فيهم: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} ، فحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.
عودة إلى رجل الإيمان والدعوة:
-قوله: {لا تغن عني شفاعتهم} ...
هذا من أقوى الأدلة علىن اتخاذ شفعاء عند الله تعالى هو عين اتخاذهم آلهة، فتأمل قوله: {أأتخذ من دونه آلهة} ... وقوله: {لا تغن عني شفاعتهم} ! حينها تعلم ما هو الشرك الذي كان يقع فيه قومه، وما هو الشرك الذي تقع فيه الأمم، فربنا سبحانه لم يجعل بينه وبين الناس شفعاء في عبادته، ولم يتخذ بينه وبينهم وسائط، بل كل هذا مما أحدثه الناس وتلعب الشيطان بهم فيه، مع ما فيه من إرهاق هذه الوسائط والشفعاء لهؤلاء العابدين، ومع ما في توحيد الله تعالى من التحرر واليسر، لكن أنى لهذا الانسان الضعيف أن يعرف ما ينفعه ويضره دون هداية الله تعالى له.
-قوله تعالى على لسان الداعي: {إني آمنت بربكم فاسمعون} ...
الحق أني أتصور هذا القائم فيهم في لحظة غليان نفسي يحمل كل قوة الاندفاع نحو ما يؤمن به وهو ينطق هذه الكلمات، وهي كلمات قوة وشجاعة، وفيها طعن بكل آلهتهم الباطلة التي يعبدونها، ووالله إن أكثر ما يستوقفني في شخصيات القصص القرآني هو محاولة النفاذ إلى نفسياتهم لحظة حديثهم وكلامهم، فأنا ككل أبناء عصري نعيش وعشنا في فترة انقطاع عن شخصيات الإيمان وزخمها، فكانت هدايتنا عن طريق الورق المعلق، منها نستهدي، وبها نسترشد، وهذا أشد ما يعانيه أحدنا، فأين نحن من عصور زخم الرجال الذين كانوا يشرفون على الناس بسمتهم قبل كلامهم، وبآدابهم قبل علمهم؟ ... ذهبوا ولم يبق إلا ثمالة في قاع الكأس ربما الوصول إلى أحدهم اليوم دونه القتل أو السجن، فاللهم رحمتك، ولذلك أكثر ما أتأمله وأحاول فهمه حين أخلو مع كتاب الله أن أعرف شخصية هذا المتكلم (في القصة القرآنية) وكذا عندما أقرأ حياة الصحابة رضي الله عنهم وقصصهم فكم في ذلك من فوائد هي من العلم عندي تعادل فقه الأحكام والشريعة، وسبب ذلك أن معنى التقوى