وقبل تفصيل أمر الدعوة قدم حال الداعين من الرسل فقال: {اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون} ! وهذا أمر مضطرد نراه في دعوة الرسل؛ وهو رد أوهام المدعوين في أمر الداعين، أو تنبيههم لخاصية في الداعي يستلزمها الحال. فهذا ابراهيم عليه السلام بعد أن دعا والده إلى العبودية في قوله: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا"عقبها فورًا قبل التفصيل بقوله: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا} ."
وهذا يوسف عليه السلام قبل أن يفصل لصاحبه في السجن أمر الدعوة يقول لهم: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي ... } .
وهذا عمل الكثير من الأنبياء حين يقدمون قولهم: {ما نسألكم عليه من أجر} وغير ذلك.
وفي هذا تنبيه إلى أن رد أوهام النفوس وخيالاتها ووساوسها في أمر الدعوة أمر شرعي وطريقة نبوية سديدة، ولا بأس للداعي أن يبدأ كلامه بفضل الله تعالى عليه خاصة حين يعلم أن من يدعوهم قد حفرت في نفوسهم بعض العوارض المتعلقة بشخصه، ومن ذلك قصة موسى عليه السلام مع فرعون، فإن فرعون ذكَّر موسى بقتله المصري، وكأنه يقول له: كيف من يأتي هذا الفعل الشنيع يأتينا اليوم ليحمل هذه الدعوة، فلا يكن من موسى إلا أن يعلن خروجه عن ذنبه وأنه فعلها وهو من الضالين، بل يتابع أنه ما هرب منهم إلا بسبب الخوف منهم، {ففرت منكم لما خفتكم} ! وليس هذا بعيب في الداعي، ولا بمانع له أن يحمل الهداية إلى الخلق، وأما الخصوم فهم خصوم، فلن يعدموا أن ينسبوا لك ما يبرر لهم إعراضهم عن الحق، حتى لو اختلقوه من كيسهم وجيوبهم، فليس هناك أسهل من الدعاوى واطلاق الشبه عند الخلق.
القصد أن تقديم حال الداعي إن اقتضى الأمر هو سبيل نبوي لا حرج فيه، فهذا الرجل يخبر قومه أن هؤلاء الرسل لا يسألونكم شيئًا من أموالكم، وفي هذا عندي لأمرين:
اولهما: أن الناس يعلمون من خبرتهم الاجتماعية أن أعين الجميع على جيوب الجميع، ومن هنا فهم يتخوفون من أي حركة أمامهم حتى لو كان ظاهرها الحسن، إذ يفسرونها بأسوأ التفاسير، وأسوؤها عندهم هو صيد أموالهم واستخراج ما في جيوبهم، إذ قلما يكون أمر ما خالصًا دون شبهة الصيد، فلذلك هم يطمئنونهم على أموالهم وجيوبهم فلا تبقى أعصابهم متوترة بالشد عليها فلا يعقلون ما يقال لهم، فليس ما نريد منكم هذا الذي تخافون ذهابه.