الصفحة 49 من 99

الرجل صاحبنا فرسالته أجل وأعظم وأشرف إذ يحمل النذارة في قضية هي أجل قضايا الوجود ألا وهي قضية الهداية واتباع المرسلين، فكان من سبب هذا أن قدم الله تعالى وصفه على ذكره ليكون رفعة لشأنه وتنويهًا بشرفه.

ثانيًا: أن ذكر أقصى المدينة هنا مع هذا الرجل الجليل أكثر فائدة من ذكرها في قصة موسى عليه السلام، فهنا كان في وسع الرجل وهو في أقصى المدينة أن يستتر، فيختفي ولا يعلن أمره، ولكن هذا لم يحدث، فلم يكن بعده عن مكان الحدث مانعًا له أن يأتي ساعيًا جادًا لينذر قومه نذارة الحق، وأما صاحب موسى عليه السلام فإن الأمر أمر سري من بدايته لنهايته، فليس ذكر كونه من أقصى المدينة بنفس درجة الأهمية في قصة هذا الرجل الجليل فكان ذكرها مقدمًا على ذكره.

ويظهر لي أمور أخرى لكنها ليست بدرجة الأهمية لما قدمت، والله تعالى أعلم.

وإن من عجيب هذا الرجل أن يظهر في وقت شدة الأمر وخطورته، فبعد تهديد القرية للمرسلين وقولهم لهم: {إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ... } ، حينها يظهر أمره ويرفع دعوته وفي هذا دليل صدق اتباعه وقوة إيمانه.

وتبدأ دعوته لهم:

- {اتبعوا المرسلين} ...

وهي تقتضي التسليم لما جاء به الرسل، وقد فصلت الآيات بعد ذلك من قوله هذه الدعوة حين قال: {ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} ، وهو بيان لحقيقة الخلق والمآل، فالرب هو فاطر كل شيء، وأولية كل شيء منه ومن خلقه جل في علاه، ونهاية كل أمر إليه لا مهرب منه.

- {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئًا ولا ينقذون} ...

وهذا فيه بيان الضد ما لو وقعت منه عبودية لغير الله تعالى، وتأمل كلمة الرحمن في موطن البلاء:"إن يردن الرحمن بضر"، وهذا من حسن أدبه مع الله تعالى، فمع موطن البلاء والضر لا يخطر على باله إلا رحمة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت