فلماذا تستعجل الصبح، دعه يأتي على قدره الذي قدره الله وما عليك سوى أن تكون من جنده، وإلا فبالله عليك أما صدمتك الفلبين! ألم تقف منها موقف المعتبر المستبصر، فكر فيها فإن فيها العبر ولن أحدثك شيئًا عنها عسى الله أن يفتح عليك بها.
ثم هذه الشيشان بعد سنين من حكم كافر شيوعي فماذا ترى اليوم؟ وكيف يمكن أن تفسر هذا؟
إنها يا عبد الله منح الإله العظيم في محنة الصبر والابتلاء، وليست الخشية في المحن لكن الخشية من زهرة الدنيا ونعيمها، والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) .
أعود إلى الآيات الجليلة الشريفة التي بين أيدينا، وأظن أنني لن أستطيع أن أذكر كل ما في نفسي حولها، فالحال الذي نعيشه أخذنا وطوف بنا حتى أخذ منا سعة ما يقدَّر للتفسير من هذه المجلة لكن لا بأس من نقرات سريعة كحسو الطائر عسى أن يكون فيها بل الصدى إن شاء الله تعالى.
هذا رجل من أقصى المدينة ... والقرآن بجلاله لم يشأ أن يخبرنا اسمه ولا شيئًا عنه إلا أنه رجل وكفى، لكن علمنا أنه من أقصى المدينة، وفي هذا كفاية لنا فيما يلزمنا، فالرجل ليس من علية القوم وإلا لكان من أوسط المدينة، فإن مدن القوم يومئذ هو أن يكون بيوت الشرفاء منها في قلبها، وكلما ابتعد البناء عن وسطها كان أبعد في الشرف والمنزلة أهله، وبهذا يكون تقسيم الأرباع في المدن حين تختط وتبنى، فصاحبنا هذا من أقصاها، فهو من غمار الناس لا من عليتهم، ولذلك هو رجل وكفى في هذه الدنيا، وأما كفايته في المعرفة فأهل السماء أولى بها، وقد قدم الله تعالى في هذه الآية الوصف على اسمه (رجل) ? فقال: وجاء من أقصى المدينة ثم عقب بعدها ذكره، وأما في سورة القصص حين ذكر الرجل الذي نبه موسى عليه السلام على مؤامرة الملأ ضده فقدم ذكر الرجل على وصفه فقال: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} .
وعندي أن سبب هذا يعود إلى أمور، منها:
أن من شرف الرجل ومكانته أن يقدم وصفه على اسمه تنويهًًا بشأنه وتنبيهًا لمقامه، ومقام صاحب الخبر ولا شك أشرف وأجل من مقام صاحب موسى عليه السلام، فصاحب موسى يحمل تحذيرًا لموسى عليه السلام في قضية مؤامرة على حياته، وأما هذا