الصفحة 57 من 99

يقذف الله في قلوبهم محبّة الخير لها وذلك بجلب الرزق لها، فأي سهولة في هذا؟ بل هو والله غاية النعم للنفس الإنسانيّة، وهي شديدة وشاقّة.

-ثمّ الكفر والنكران:

{فَكَفَرَتْ بِأَنْعُم الله} ...

ذَكَر بعض أهل التفسير أنّ المقصود بالقرية هي مكّة، والنعمة التي كفرها أهل مكّة هي رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم، وهذا التفسير هو من نوع تفسير الشيء ببعض صوره وأنواعه، وإلا فهذا مثَلٌ لكلّ قرية أسبغ الله عليها نعمه وكفرت بها، والكفران هو ستر الحقّ وعدم الانقياد له، فالتوحيد حقّ وكفره هو الإعراض عنه ومعاندته والشرك به، والرسالة حقّ وكفرها هو عدم تصديق الرسول وترك متابعته والانقياد له، والنعم الماليّة حقّ وكفرها هو أخذها من غير طريقها الحلال وصرفها في غير طريقها الصحيح وعدم أداء حقّ الله تعالى فيها، والنعم البَدَنيّة حقّ وكفرها هو إفساد البدن بأكل وشرب ما حرّم الله، وإتعابه في غير طاعة الله تعالى.

وما من نعمة من هذه النعم كفرت بها قرية من القرى إلا وسلبها الله هذه النعمة وأبدلها ضدَّها، قال تعالى: {وَكَذَلكَ أَخْذ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقرَى وَهيَ ظَالمَة إِنَّ أَخْذَه أَليم شَديد} .

وقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا منْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالمَة وَأَنشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرينَ * فَلَمَّا أَحَسّوا بَاسَنَا إِذَا همْ منْهَا يَرْكضونَ لا تَرْكضوا وَارْجعُوا إِلَى مَا أتْرفْتمْ فيه وَمَسَاكنكمْ لَعَلَّكمْ تسْأَلونَ} ... وكيفيّة حصول الكفران له سنّة، فإنّه ما من قرية إلا ولها كبراء يعظّمهم أهلها، وقد جرت سنّة الله تعالى أن يبدأ الكفران والمعاصي في أهل الترف.

قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نهْلكَ قَرْيَة أَمَرْنَا متْرَفيهَا فَفَسَقوا فيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْل فَدَمَّرْنَاهَا تَدْميرا} .

وقانون كفر النعمة يقع على الكفر المطلق كما هو شأن مكذّبي الرسل والأنبياء، ويقع على المسلمين عندما يكثر فيهم كفران النعيم، فهذا قانون وسنّة تضّطرد ولا تتخلّف، وهي لا تقع إلا إذا شاعت الفاحشة وكثر أهلها، وأعرض الصالحون فيها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك حضّ الصالحون على هجران أرض المعاصي وقالوا:"تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقرّ فيها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت