الصفحة 58 من 99

-فالجوع والخوف:

{فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ... وهكذا لمّا أعرضت القرية عن أمر الله تعالى وسترت الحقّ وعاندت أهله وأعرضت عن اتّباعه، بدّلها الله بدل الأمن والاطمئنان خوفا، وهو خوف حقيقيّ له وجود في الواقع وأحدث أثره في نفوسهم، فأذهب الأمن وأزال الطمأنينة، وأبدلها الله تعالى بدل رغد العيش جوعًا.

وقد جاء اللفظ القرآني بقوله: {فأذاقها الله لباس} ، واللباس يستر الخارج، والذوق يكون في ذات الشيء، وهكذا وقع فيهم ألم في الظاهر وألم في الباطن، وهذا الألم لم يخصّ طبقة دون طبقة، وجماعة من القرية دون جماعة، بل لبسهم جميعًا، وتسربلوا فيه كلّهم وذلك كما قال تعالى {وَاتَّقوا فتْنَة لا تصيبَنَّ الَّذينَ ظَلَموا منْكمْ خَاصَّة} .

وقوله سبحانه وتعالى: {بما كانوا يصنعون} ؛ هو تفسير لقوله تعالى: {فكفرت بأنعم الله} فإنّما عملوا كفرًا، وصنعوا كفرًا.

-إزالة المنكر ضمان للأمن والاطمئنان:

وههنا نقطة لا ينبغي لها الفوات؛ وهو ما نراه اليوم من حرص بعض الشيوخ والعلماء على عدم إنكار المنكر بما أوجب الله تعالى، وذلك بالضرب على أيدي العصاة، أو بمقاتلة من ارتدّوا عن شريعة الرحمن، ويبرّرون هذا بأنّ إزالة المنكر باليد ومقاتلة المرتدّين بالسلاح سيورث البلاء والفوضى والاضطراب، وهم يسبغون على بلادهم وصف الأمن والاطمئان ورغد العيش، وينسون قوله صلى الله عليه وسلم في عقوبة الأمة حين تترك الضرب على يد العاصي بقوله: (يوشك الله أن يعمّهم بعقاب من عنده) .

وهكذا يقلب هؤلاء الشيوخ أسماء الأشياء فيسمّون الطاعة فتنة واضطرابا، ويسمّون العيش تحت سلطة المرتدّين وانتشار الرذيلة أمنا واطمئنانا، ووالله ما هي إلا أيّام وسيرى الناس في هذه القرى ما تشيب لهولها الولدان، وما يذهل الأم عن وليدها والأخ عن أخيه، وقد رأوا بعض ذلك، ولكن أنّى للقلوب الخاوية من الإيمان العظة والعبرة، قال تعالى: {وَلكلّ أمَّة أَجل فَإِذَا جاءَ أَجلهمْ لا يَسْتَاخرونَ سَاعَة وَلا يَسْتَقْدمونَ} .

ومما يجب أن نعلمه أنّ من هلاك القرى ودمارها حين تكفر وتُعرض عن أمر الله تعالى هو ما يصيبها من إذلال أهلها وذهاب شوكتهم، فتغنم أموالهم وتنهب ثرواتهم وتؤول إلى أيدي غيرهم، كما حصل مع يهود المدينة - بني قريظة وبني النضير - ومع يهود خيبر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت