النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي البلاد الأفئدة صبابة وكلفا، وقسَرَ الطباع على أن تعطيها محبّة وشغفا .. وإن كان وعظا كان أشفى للصدر، وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغَيَايَة - أي الحجب - ويبصر الغاية، ويبرئ العليل ويشفي الغليل) [1] .
وهذه الآية القرآنية درّة تتلألأ، أنّى جئتها وجدّت لها نورا وضياءً، ووالله لو مثلتْ خَلْقا في هذه الدنيا لأبصرها الناس جوهرة لاشية فيها، وجهها صاف، وكذا جوفها، لها ألف وجه، تبهرك كيف جئت إليها، ومن أي الوجوه نظرت إليها.
ولا أذكر أنّي وقفت في تمثّل المعاني مع أيّ كلام كما تمثّلت في هذه الآية وهذا المثال، فسبحانه ما أعظم كلامه وما أحسنه.
في الآية؛ دليل على حكمة الربّ في خلقه، وذلك بتنوّع الخلق من أجل الفتنة والابتلاء.
وفي الآية؛ دليل على جريان السّنن في هذه الدنيا سواء كان إسناد الفعل إلى الربّ {وأنزل} أو كان إسناد الفعل إلى الخلق {يوقدون} وفي قراءة مشهورة {توقدون} فسنّته لن تتخلّف.
وفي الآية؛ أنّ الخير لا يأتي بالشرّ، ولكن الشرّ هو قدر لا انفكاك لهذه الحياة عنه، ولا يتصوّر الحياة بدونه: {وأنزل من السماء ماء فاحتمل السيل زبدا رابيا} .
وفيها؛ أنّ هناك من المنافع للناس لا تقع على أساس الفطرة القدرية كما في أصل خلقتها، بل لا بدّ لعمل الإنسان فيها ليتحقّق له مقصوده {وممّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع} .
وما حادثة تأبير النخل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذاكرتنا ببعيدة.
وفيها؛ أنّ وحدة الخلق تدلّ على وحدة الخالق، حتّى لو اختلف الخلق وتعدّد، فالمثل الأوّل: مائي، والثاني: ناري.
وفيها ... وفيها.
(1) أسرار البلاغة، 92 - 96