وهذا كلّه لمؤاخاتهم الشياطين - قرنائهم - كما قال تعالى في السورة: {وقيّضنا لهم قرناء فزيّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} .
هذا الصنف هو أخطر صنف على الأمّة المسلمة لأنّه يتزيّا بزيّ أهل الإسلام، بل يلبس لبوس العلماء والحكماء فيُفتَتَنُ به أقوام من العابدين الجهلاء، أو من أصحاب الأهواء، ويتّخذون كلامهم حجّة في إلحادهم وزندقتهم.
والباطنيّة هي أسس البلاء في تاريخ أمّتنا، فإنّه ما من شرّ حصل فيها إلا وهم بابه وأصله، بل ما من فتنة أصابت الأمّة في دنياها ودينها إلا وهم أساسها، واستقصاء ذلك يطول ويخرجنا إلى مقام آخر.
وفي هذه السورة الجليلة التي نحن بصددها بيان لأصل فساد هؤلاء الباطنيّة، فقد افتتح الله السورة بأنّ هذا القرآن عربيّ، وقد فُصِّلت آياته بما لا يحصل فيه اللبس من خلال هذه اللغة الشريفة، اللغة العربيّة، وأنّه لا يحصل به العلم الذي يريده الله تعالى من عبيده إلا من خلال إنزاله على قواعد هذه اللغة.
قال تعالى: {كتاب فُصِّلت آياته قرآنًا عربيًّا لقومٍ يعلمون} ، وبيّن الربّ جلّ وعلا أنّه إن تمّ ذلك وفهم هذا الكتاب العظيم بلغة هؤلاء القوم فإنّه سيهدي من قرأه وتعلّمه، ولن يحصل له الاضطراب والتعارض في شيء من آياته البيّنة، وذلك كما قال تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ، فلمّا كان متكلّم هذا الكلام حكيم حميد، أي محمود لجميل صفاته وجميل إحسانه وحسن كلامه، كان كلامه تامًّا سليمًا من النقص والتعارض، وهذه الآية ردّ على من زعم أنّ في القرآن من الكلام ما يحصل به اختلاف الفهوم بين الناس اختلافًا متعارضًا، فهذا يفهم منه على وفق مراده وهواه، وآخر يعارضه بفهم جديد آخر، وآخر وآخر، وهذه القضيّة هي عمدة الزنادقة الجدد الذين يزعمون أنّ القرآن له فهم عصريّ جديد يخالف ما فهمه الجيل الأوّل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام مثل هذا يحصل به التناقض والاختلاف لا يُسمّى مفصّلًا ولا يسمّى مبيّنًا، ولا يقال عنه: {أُحكِمَت آياته} ، فأي تهمة خبيثة يقولها هؤلاء العصرانيون في كتاب الله؟ ألا لعنة الله على الظالمين.
فهؤلاء الزنادقة يحاولون جهدهم إنزال القرآن الكريم على قواعد أهل العجمة ولا يتقيّدون باللسان العربي وقواعده، وذلك كما فسّره الباطنية بأمزجة أئمّتهم، وكما فسّره الفلاسفة على طريقة معلّمهم الأوّل أرسطو، وكما يفسّره هؤلاء على قواعد اليسار وقواعد اليمين، فهذا يفسّره من خلال المنهج المادّي الماركسي، وآخر من خلال منهجه الانقلابي