الثوري، وهذا يفسّره من خلال مفاهيم الغرب للدين والأديان، وهذا يفسّره بقانون أهل الحداثة .. وهكذا كلّ منهم يحاول أن يثبت هواه من خلال هذا القرآن العظيم.
ومن أجل هذا نفى الله العجمة عنه، فقال سبحانه: {ولو جعلناه قرآنًا أعجميًا لقالوا لولا فُصِّلت آياته ... } ، والعجمة في الناس بمعنيين، أولاهما: غير العربيّ، والثاني: من لا يحسن الإبانة عن نفسه، والقرآن عربيّ ومبين ومفصّل، جلّ متكلّمه سبحانه وتعالى.
وهؤلاء الملحدون في آياته لو أنزله الله أعجميًّا غير عربيّ، ولم يفصّله الله قاطعًا به أعذارهم الواهية لقالوا: لولا أنزل عربيًّا لنفهمه، وكيف يصح أن يكون النبيّ عربيًا وكتابه أعجميًّا؟
- {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} ...
هو هدى لما يريدون مِن قادم حياتهم، وشفاء لما وقع في قديمها، هو هدى للحق وللوصول إلى أهداف الإنسان العظيمة، وذلك بالبلوغ إلى رضا الله سبحانه وتعالى، وهو شفاء لما يقع في هذا السلوك من أعراض وأمراض وعوائق، فالقرآن قوّة أبصار وتقوية، وقوّة تجديد وتنقية، هو هادي لكل ما يسأل عنه الإنسان في حياته، وهو شفاء لما يقع في النفوس من ندوب قراع سهام الهوى من نفسه أو من الشيطان، فالقرآن يسدّد ويحمي، وكلّ هذا لا يحصل إلا للمؤمنين به، فلا يهتدي به أولئك الكافرون به والمعرضون عنه، فهو هدى وشفاء للمؤمنين.
وأمّا غير المؤمنين ففي آذانهم وقر وصمّ قد صنعوه بأنفسهم، فكيف يأخذ الدواء سبيله إلى مستقرّه ويعمل عمَله ومسلكه مقفل موصود، ثمّ هم في عماية عن إبصار هداه، فلا يعرفون مواطن الحقّ والهدى والخير التي يكشفها ويفصّلها، فمنافذ القلب من سماع ورؤية معطّلة خربة، وإن من كان هذا شأنه فإنّه إن نودي لن يسمع ولو صرخ عليه بألف صوت - أولئك ينادون من مكان بعيد.
وهكذا فصّلت لنا هذه السورة العظيمة مراتب هؤلاء القوم وحالهم بأشفى بيان وأعظمه، وإنّه ممّا يراه المبصر في طريقة تعامل القرآن مع هؤلاء القوم أنّه تعامل معهم بازدراء واحتقار، فكشف لنا أنّ ما يحصل لهم إنّما هو بسبب جهلهم وفساد قلوبهم وعقولهم، وتعطيل حواس الإدراك والشعور، ولو أنصفوا أنفسهم لسمحوا لهذا النور أن يلج إلى نفوسهم وقلوبهم فيعمل النور عمله بإصلاحهم وتقويمهم.