الصفحة 10 من 46

القلم الرشّاش .. والكلمة الرّصاصة

بقلم؛ أبي الحسن غريب

إنّ أوّل ما خلق اللّه القلم، قال: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ...

ومما كتب القلم بأمره الصراع بين الحقّ والباطل، صراعا تتميّز خلاله النّفوس والصفوف، وتحفظ محارم اللّه {ولولا دفاع اللّه النّاس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} [الحج] .

في هذا الصّراع المحتوم، قدّر اللّه دور الكلمة .. دورا جهاديّا لا يخفى على عاقل لبيب، الكلمة التي تبني وتهدّم، تجمع وتفرّق .. والناس معادن كمعادن الذهب والفضة {والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} .. وأنت تقرأ كتاب اللّه عزّوجل يشدّ انتباهك قسم اللّه بالقلم والكتابة، في سورة سمّيت بسورة القلم {ن * والقلم وما يسطرون} ، والقسم بالكتابة تعظيم لقيمتها وتوجيه إليها في وقت كانت الكتابة في أمّة العرب متخلّفة ونادرة، في الوقت الذي كان دورها المقدّر لها في علم اللّه يتطلّب نمو هذه المقدرة وانتشارها فيها، لتقوم بنقل العقيدة الصّحيحة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض، لتنهض هذه الأمّة بقيادة البشرية قيادة رشيدة .. وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي للنهوض بهذه النهضة - الدينية والدنيوية - الكبرى ..

كما ترى القرآن ذكر القلم في أوّل ما نزل منه {علّم بالقلم} ، لأنّ القلم كان ولا يزال أوسع وأعمق أدوات التّعليم أثرا في حياة الإنسان والأمّة .. ولعلم اللّه بقيمة القلم أشار إليه في أوّل لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة إلى البشرية، فالقلم جندي في سبيل اللّه {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ، ينشر التوحيد والسنّة، ويعلّم الفضيلة .. يحرّك النفوس النائمة ويحشد القوى ويرصّ الصفوف، ويكشف ويدحض زيف وهراء المثبّطين ...

في هذا الصراع، يقابل القلم المسلم القلم الكافر ... و الكلمة الطيّبة تدحض الكلمة الخبيثة، ويصارع السّيف البتّار سيوف الأشرار {وكذلك نفصّل الأيات ولتستبين سبيل المجرمين} ، إذ ساحة الوغى تسع الكلمة والرصاصة وكل ميسّر لما خلق له.

إنّ المتتبّع لسيرة النبّي صلى الله عليه وسلم يراه يولّي إهتماما لنشر العلم الصّحيح بين الصحابة رضي الله عنهم ونشر علم الكلمة، كان إذا أسلم الرّجل دفعه إليهم ليعلّموه دينه، فيحسن إسلامه، وأطلق من أسرى بدر مقابل تعليم أبناء الصحابة القراءة والكتابة .. كما يدرك المتأمّل في أحداث سيرته صلى الله عليه وسلم فعل الكلمة، إنّ إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في أحد - وهي كلمة - كادت تفتّ عزائم الصّحابة، وتخذيل نعيم بن مسعود رضي الله عنه يوم الخندق - وهي كلمة - مزّقت شمل الأحزاب، وصيحة العبّاس رضي الله عنه لأصحاب الشّجرة يوم حنين - وهي كلمة - جمعت الصّحابة بعد تشرذمهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت