بقلم؛ أبي الوليد الخميسي
روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه"، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض"، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال:"نعم"، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يحملك على قول بخ بخ؟!"، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال:"فإنك من أهلها"، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل)
نعم إنها لحياة طويلة، وقد زادت على طولها طولا يوم أن زادت على حبات التمر التي أبى أن يأكلها ذلك الصحابي إلا في ظلال الجنة ... زادت عليها ملذّات الحياة ووصلت بنا إلى الترف الذي صنع لنا من الذلّ كؤوسا تجرعنا منها حتى الثمالة ...
ومما زاد الطين بلّة؛ هو أننا ربما صبت نفوسنا إلى ما هو محظور شرعا، فقيّدنا أنفسنا بأيدينا وما استفقنا إلا ونحن نرسف في قيود الذلّ، وقد أحكمها الهوى وفعل المحظور وترك المأمور.
وصدق علينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) .
فاستعبَدَنا الذلّ والطمع وقيَّدَنا الحرص والجشع، وأصبحنا جسدا قد نشبت فيه مخالب العدى وأنيابهم ... جسدا لا حامي له ولا حمى ... وتداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
فصدق علينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في