الصفحة 11 من 46

للكلمة دورها في بناء النّفوس وتعبئتها"إنّ من البيان لسحرا"، ولها دورها في تحطيم معنويات الأعداء، ولولا أنّه قال صلى الله عليه وسلم: (اهجوا بالشعر، إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحوهم بالنبل) .

وهو القائل لحسّان بن ثابت رضي الله عنه: (أهجوهم وروح القدس معك) ، وعقد البخاري: (باب هجاء المشركين) .. وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (أرموا فإن أباكم كان راميا) ، والقائل: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم) ، والقائل: (الآن حمي الوطيس شدوا على أعداء اللّه) ، وهو الذي جعل أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وقرن صاحبها بسيد الشهداء حمزة.

كان له صلى الله عليه وسلم أمراؤه وقادته في ساحة النزال .. وله خطباؤه وشعراؤه في ساحة المقال، كان له فرسان البنان وفرسان البيان - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم -.

إن الكلمة الطيبة في الإسلام كائن حيّ مؤثّر، حريّ بنا كثرة التنبيه إلى أهميتها والتنويه بها، تساهم إلى حدّ بعيد في إحياء الأمّة وخاصّة إذا تسرّبت إلى القلوب واستقرّت بها .. فالكلمة الصادقة الصّادرة من القلب تثير عواطف النفوس وتحيي ذوات القلوب، وتدفع إلى النفير بإذن اللّه .. فالكلمة من قائلها هي بمعناها في نفسه لا بمعناها في نفسها، شأنها شأن الصارم البتار حين يحمله الشجاع وحين يحمله الجبان {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} .

إن حاجة الأمّة إلى الكلمة الحقّة الصادقة النّظيفة البنّاءة أعظم من حاجتها إلى طعامها وشرابها، إن الأمّة ممثّلة في جيلها المتديّن، أصبحت صاغية لكلمات الأوفياء الخيّرين، ولطالما سئمت الهراء والهذيان الذي عافته القلوب، ولفظته النّفوس، وأهل السنّة يقولون الحقّ، ويرحمون الخلق.

قال يحي بن معاذ: (أحسن شيء كلام رقيق يستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق) ، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم نبيّ الملحمة والمرحمة والضحوك القتّال، إن افتقاد الكلمة الطيّبة يفقد الدعوات روحها وتأثيرها، ويؤدّى إلى التفكّك والانهيار {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنّ الشيطان ينزغ بينهم} .

إنّ المتأمّل في حال أمّة الإسلام يرثى لأمرها ويبكى لحالها، في هذا الظرف المبكي والوقت المؤلم ننتظر العمل والبناء لنقيم الصرح ونجمع الشمل، ننتظر الكلمة التي توحد بين الإخوة والأحبة، الكلمة التي تعرّي الباطل وأهله، وتقذف بالحق صيحة مجلجلة في ربوع العالمين {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما يبدأ الباطل وما يعيد} ، ونحن والحمد للّه نرى في أهل الخير والإيثار والوفاء مع قلتهم من يقوم بهذا خير قيام، ولكننا نرى وللأسف من يتسلل لواذا بقيل وقال أو يفعل ذلك جهارا، نرى ألسنة تهدم وتهدم ونحن أشد ما نحتاج إلى البّناء، وإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط اللّه لا يلقى لها بالا يهوى بها في النار سبعين خريفا {فأما الزبّد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} ، إن الكلمة هي جوهر الإنسان، ولسانه هو الذي يحوّل هذا الجوهر إلى معدن صاف أو سمّ قاتل وأمّا الذين حبستهم ألسنتهم فيستحقون منّا أن نفتح لهم أبوابنا وقلوبنا، وأما الذين ساءت ألسنتهم فحسبهم من الإحتقار أنّهم إخوان الشياطين {إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت