حدثت هذه النّازلة ودعوة الإسلام ودولته لا زالت في المهد لم تتخط الخط الأحمر، وفي خضم الحدث وتفاعلاته ينزل القرآن يعلّم ويوجّه ... {و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} ؛ لا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم ولا تحزنوا في قلوبكم عندما أصابتكم المصيبة وابتليتم بهذه البلوى فإنّ الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم وأعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبّروها وادفعوا عنها الحزن، وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر الله تعالى أنه لا يليق بهم الوهن والحزن وهم الأعلون في الإيمان، ثمّ سلاّهم بما حصل لهم من الهزيمة وبيّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك فقال: {إن يّمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مّثله} ، فانتم وهم قد تساويتم في القرح ولكنّكم ترجون من اللّه ما لا يرجون [1] .
وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} ، ترك ما جاءكم به من إيمان أو جهاد أو غير ذلك، {ومن يّنقلب على عقبيه فلن ّيضر الله شيئا} ، إنّما يضر نفسه وإلاّ فاللّه تعالى غنيّ عنه وسيقيم دينه ويعزّ عباده المؤمنين، {و سيجزي اللّه الشاكرين} ، وفي هذه الآية إرشاد من اللّه تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه فقد رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في أمور الدّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه إذا فقد أحدهم قام به غيره وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين اللّه والجهاد عنه بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم وتستقيم أمورهم [2] .
قال ابن القيم: (فذكر سبحانه أنواعا من الحّكم لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبّتهم وقوّاهم وبشّرهم بانّهم الأعلون لما أعطوا من الإيمان وسلاّهم بأنّهم وإن مسّهم القرح في طاعته وطاعة رسوله، فقد مسّ أعداءهم في عداوته وعداوة رسوله، ثمّ أخبرهم أنّه سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه ولكن أراد أن يعلّمهم موجودين مشاهدين فيعلم إيمانهم واقعا ثمّ أخبر أنّه يتخذ منّهم شهداء، فإنّ الشّهادة درجة عالية عنده ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحمل درجة الشهادة التّي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد ثمّ أخبر سبحانه أنّه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفار من الذنوب التّي أديل بها عليهم العدو، وأنّه مع ذلك يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا ثمّ أنكر عليهم مبناهم وظنّهم دخول الجنّة بغير جهاد ولا صبر وأنّ حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلاّ بالجهاد والصبر ولو كانوا دائما منصورين غالبين
(1) تفسير السعدي
(2) تفسير السعدي