لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذه بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم وإدالته في بعض الأحيان) [1] .
هذه حادثة وغيرها كثير في تاريخ أمّتنا ... ولك أن تسجل أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لم يتخلّ عن دعوة الإسلام وعن الجهاد بحجة ما قيل من طرف الصحابة وما حدث من إدالة الكفر على الإيمان وقتل من قتل من أصحابه رضي الله عنهم في بداية الصراع المسلح مع الكفر، لكنه صلى الله عليه وسلم ضمد الجراح وصحّح المفاهيم الخاطئة وواصل طريق الدعوة والقتال، فكانت غزوة حمراء الأسد إثر أحد مباشرة وفيها من العّبر والعّظات ما يحسن بنا تدبّره ... وكان لهذه الحادثة أثرها في تربية الصحابة ... تعلموا ... أشربوا مبدأ أنّ الإسلام لا ينتهي بانتهاء شخص ... فليس بقاء الأشخاص شرطا في امتثال أوامر اللّه بل الوّاجب على الأمّم والجماعات عبادة ربّهم في كلّ وقت وبكلّ حال ...
وكانت بعد أحد موقعة الرّجيع وقتل بعض الصحابة غدرا وكانت بئر معونة وقتل فيها من خيرة الصحابة، فلم يثنّ ذلك كله النّبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنه عن مواصلة طريق الدعوة والقتال ..."بل مات النّبي صلى الله عليه وسلم وماجت المدينة واضطربت حتى قال عمر رضي الله عنه من قال مات رسول اللّه ضربت عنقه ... وعنده تبرز أثار تربية النّبي ويقيّض اللّه أبا بكر رضي الله عنه ليرد الأمّة إلى رشدها ويصعد المنبر ويخطب في أمّة رسول اللّه خطبة الوّاثق برّبه ودينه وطريقه ... (من كان يعبدّ محمدّا فإنّ محمدّا قد مات، ومن كان يعبدّ اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت) ، ويتلوا أية آل عمران التّي نزلت يوم أحد فاللّه أكبر ما أعظم تربية رسول اللّه لذلك الجيل الفريد."
أليس في الدنيا أشدّ بلهًا ممّن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض فأين تكون البلوى إذن؟ لا واللّه لا بد من انعكاس المرادات، ومن توقف أجوبة السؤالات، ومن تشفي الأعداء في أوقات، أمّا من يريد أن تدوم له السلامة والنصر على من يعاديه والعافية من غير بلاء فما عرف التّكليف ولا فهمّ التّسليم.
أليس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينصر يوم بدر ثمّ جرى عليه ما جرى يوم أحد، أليس يصد عن البيت وتقهر بعد ذلك فلا بد من جيّدٍ ورَديٍ، فالجيد يجب الشكر والردى يحرك إلى السؤال والدعاء فإن امتنع الجواب، أريد نفوذ البلاء والتّسليم للقضاء وهاهنا يبين الإيمان وتظهر في التّسليم جواهر الرّجال [2] ، فإن تحقق التسليم باطنا وظاهرا فذاك شأن
(1) إغاثة اللهفان 2/ 191
(2) قال الحسن البصري رحمه اللّه: كانوا يتساوون في وقت النعم فإذا نزل البلاء تباينوا.