الصفحة 39 من 46

الكامل، وإن وجه في الباطن إنعصار من القضاء لا من المقضي فإن الطبع لابد أن ينفر من المؤذي دلّ على ضعف المعرفة فإن خرج الأمر إلى الاعتراض باللسان فتلك حال الجهال" [1] ."

واعلم أن"البلاء الّذي يصيب العبد في اللّه، لا يخرج عن أربعة أقسام، فإنّه إمّا أن يكون في نفسه أو في ماله أو في عرضه أو في أهله وما يحب، والذي في نفسه قد يكون بتلفها تارة وبتألمها بدون التلف فهذا مجموع ما يبتلى به العبد في اللّه، ومن المعلوم أنّ الخلق كلهم يموتون وغاية المؤمن أن يستشهد في اللّه وتلك أشرف الموتة وأسهلها فإنّه لا يجد الشّهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عدّ مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل بل موت الشهيد من أيسر الميتات وأفضلها وأعلاها، ولكن الفارّ يظنّ أنّه بفراره يطول عمره فيتمتع بالعيش، وقد أكذب اللّه سبحانه هذا الظنّ حيث يقول: {قل لن يّنفعكم الّفرار إن فررتم مّن الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلاّ قليلا} " [2] .

فائدة:

إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد:

أوّلها: مشهد التوحيد وأنّ اللّه هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن.

الثاني: مشهد العدل، وأنّه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه.

الثالث: مشهد الرّحمة وأنّ رحمته في هذا غالبة لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه - أي ظاهره البلاء والمصيبة وباطنه الرّحمة والّلطف -

الرابع: مشهد الحكمة وأنّ حكمته اقتضت ذلك، لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا.

الخامس: مشهد الحمد وأنّ له سبحانه الحمد التّام على ذلك من جميع وجوهه.

(1) صيد الخاطر لابن الجوزي ص 215ـ 216.

(2) إغاثة اللهفان 2/ 193ـ194

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت