الصفحة 118 من 179

وهو شعار لم يكن المسلمون يفهمونه حتى ذلك الوقت على طريقة الذين ينادون صراحة بأن الولاء الديني لا يصلح أن يكون أساسًا للحياة.

يقول غازي التوبة في مقال"الأمة الإسلامية وأخطار القطرية عليها":

(وحدة الأمة تتعرض الآن إلى أخطر تهديد على مدار القرون الماضية جميعها، وهذا التهديد جاء من الكيانات القطرية التي تسعى إلى تأسيس ثقافي مستقل بها، مما سيؤدي إلى تقسيم الأمة الواحدة إلى أمم متعددة مختلفة، ولكن هذا التأسيس الثقافي للقطرية مرّ بمرحلتين:

الأولى؛ مرحلة تقسيم الأمة الواحدة إلى أمتين؛ عربية وتركية، وقد جاء ذلك على يد دولة الاتحاد والترقي في عام 1908م من الجهة التركية، وعلى يد الثورة العربية الكبرى عام 1916م من الجهة العربية.

ولم تستطع الثورة العربية أن تجمعّ ما كان متفرقًا، بل فرّقت ما كان مجموعًا في اتفاقية"سايكس/بيكو"وغيرها.

ثم جاء التنظير القومي على يد ساطع الحصري ليرسّخ القطرية، ليس لأنه أراد ذلك، بل لأنه جعل الأمة تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، واستبعد الدين من عناصر تكوين الأمة، وهو في ذلك كان متابعًا النظرية الألمانية، ولكنه نسي أننا لا نستطيع أن نفهم واقع الأمة التي تقطن العالم العربي إلا بالإسلام، لأن الإسلام دخل كل تفصيل حياتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ... الخ، وأننا إذا أردنا أن ننتقل بهذه الأمة من واقع التجزئة إلى الوحدة فلابدّ من الاعتراف بدور الإسلام في بناء الأمة وتفعيل عناصره، وهو ما لم تقم به القيادات القومية، فكان بروز القطرية وترسخها، وصار الظن عند عامة الناس؛ بأن التجزئة هي الأصل والوحدة هي الطارئة، مع أن العكس هو الصحيح.

الثانية؛ مرحلة التأسيس الثقافي المستقل لكل قطر: اتخذ دعاة القطرية عدم التقدم باتجاه الوحدة خلال القرن الماضي حجة من أجل اعتبار الوحدة؛ خيالًا ووهمًا، واتخذوا ذلك أيضًا ذريعة من أجل الترويج للقطرية والتأسيس الثقافي لها، والذي تجلّى في عدة عوامل، منها؛ طباعة كتب المؤرخين الذين تناولوا تاريخ القطر، وإبراز الرحالة الذين مرّوا به وكتبوا عنه، وتعظيم رموز الأدب والشعر المرتبطين به، وتزكية تاريخه السابق على الإسلام - كالتاريخ الفرعوني والبابلي والكلداني والآشوري والبربري والسيرياني والفينيقي - وإنشاء مراكز ومؤسسات ترعى ذلك التاريخ ... إلخ، ويرافق كل ذلك الاهتمام باللغة العامية، والاهتمام بالشعر الشعبي والترويج لشعرائه ودواوينهم، والاهتمام بالعادات والتقاليد والفولكوز الشعبي الخاص بذلك القطر، وإنشاء المتاحف الخاصة به ... إلخ.

ليس من شك بأن هذا التأسيس الثقافي المستقل لكل قطر على حدة؛ يتقاطع مع الوحدة الثقافية التي عرفتها الأمة على مدار تاريخها السابق، وهو في حال استمراره ونجاحه فإنه سيؤدي إلى أخطر ما واجهته أمتنا على مدار تاريخها السابق، وهو تحويل الأمة الواحدة؛ إلى أمم متعددة) اه-

كيف بدأت فتنة الوطنية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت