الصفحة 16 من 179

عندما أعلنت الدول الاستعمارية إنهاء الاستعمار والتخلي عنه لم يكن ذلك اعترافا بظلمها ورجوعا عن اعتدائها

كيف وهي تسمي احتلالها للدول المعتدي عليها استعمارا وتمتنّ به عليها!!

بل كان الإعلان عن نهاية الاستعمار خطوة تكتيكية لصياغة الاستعمار بشكل آخر أملاه الظرف الدولي العام والتغير في موازين القوي بعد الحرب العالمية الثانية، التي أدت إلى تراجع دور القوى الاستعمارية التقليدية (فرنسا إنجلترا) وبروز القوى الجديدة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

هذا التكتيك الجديد يقضي بإيجاد حل يلمع الصورة ولا يناقض المصلحة ...

حل يعطي للشعوب المستعمرة ما تريد ولا يمنع المحتل مما يريد ...

وتمثل هذا الحل في إعلان نهاية الاستعمار لتحل محله دول مستقلة تنشأ على سمع وبصر المستعمر الذي يصوغها بشكل يحقق مصلحته ...

تقول راوية توفيق في مقالها"القوى الكبرى والمشروطية السياسية في إفريقيا":

"وكل ما تغير أن الدول الاستعمارية قد غيرت استراتيجيتها، فتبنت أساليب جديدة للوصول إلى نفس الأهداف التي كانت تصل إليها عن طريق الاستعمار الصريح المباشر، ولكن بأساليب أخرى غير الاحتلال العسكري".

الذي حدث هو أن المستعمر لم يخرج من البلاد المستعمرة صفر ليدين كما قد يفهم من معني"انتهاء الاستعمار"...

الذي حدث هو أن المستعمر أنشأ حكومات يريدها هو بطريقة يريدها هو لتقوم بالعمل الذي يريده هو!!

في ظاهر الأمر كان أبناء الوطن هم الحكام الجدد ...

وفي الباطن كان المستعمر يحرك تلك الدمى التي وضعها بيده في الاتجاه الذي يريد!!

أما الشعوب فقد أعمتها نشوة الفرح بالاستقلال عن التنبه لمخططات الأعداء.

وفي موريتانيا ولدت الدولة المستقلة الجديدة لكن بَصْمَة الاحتلال كانت عليها بادية ...

فكل شيء في هذه الدولة لا يذكر إلا بالمستعمر ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت