{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]
وحين انبتّت وشيجة القرابة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين عمه أبي لهب وابن عمه عمروا بن هشام"أبو جهل"وحين قاتل المهاجرون أهلهم وأقرباءهم وقتلوهم يوم بدر. . حينئذ اتصلت وشيجة العقيدة بين المهاجرين والأنصار، فإذا هم أهل وإخوة، واتصلت الوشيجة بين المسلمين العرب وإخوانهم: صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وتوارت عصبية القبيلة، وعصبية الجنس، وعصبية الأرض، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعوها فإنها منتنة ) ). . وقال لهم: (( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ) ). . فانتهى أمر هذا النتن. . نتن عصبية النسب. . وماتت هذه النعرة. . نعرة الجنس، واختفت تلك اللوثة. . لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، بعيدا عن نتن اللحم والدم، ولوثة الطين والأرض. . منذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض، إنما عاد وطنه هو"دار الإسلام"الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدار التي يأوي إليها ويدافع عنها، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها. . وهي"دار الإسلام"لكل من يدين بالإسلام عقيدة ويرتضي شريعته شريعة، وكذلك لكل من يرتضي شريعة الإسلام نظاما - ولو لم يكن مسلما - كأصحاب الديانات الكتابية الذين يعيشون في"دار الإسلام"والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي"دار الحرب"بالقياس إلى المسلم، وإلى الذمي المعاهد كذلك. . يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده، وفيها قرابته من النسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه.
وكذلك حارب محمد صلى الله عليه وسلم مكة وهي مسقط رأسه، وفيها عشيرته وأهله، وفيها داره ودور صحابته وأموالهم التي تركوها، فلم تصبح دار إسلام له ولأمته إلا حين دانت للإسلام وطبقت فيها شريعته.
هذا هو الإسلام. . هذا هو وحده. . فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان، ولا ميلادا في أرض عليها لافتة إسلامية وعنوان إسلامي! ولا وراثة مولد في بيت أبواه مسلمان.
{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]
هذا هو وحده الإسلام، وهذه وحدها دار الإسلام. . لا الأرض ولا الجنس ولا النسب والا الصهر ولا القبلية ولا العشيرة.
لقد أطلق الإسلام البشر من اللصوق بالطين ليتطلعوا إلى السماء، وأطلقهم من قيد الدم. . قيد البهيمة. . ليرتفعوا في عليين.