أما الدخول في جيش هذه الدولة الجديدة فلم يكن يجرؤ عليه إلا من لا يكترث للدين ولا يقيم له وزنا.
ومع مرور الوقت وجد الناس أنفسهم مضطرين للدولة فأصبحوا أكثر تقبلا لها ونشأت أجيال جديدة لم تفتح أعينها إلا على هذه الدولة.
وأصبح التشكيك في الدولة الجديدة أمرا يبعث على السخرية!
ومن الإنصاف أن نعترف لأولئك الذين رفضوا الاستقلال والعلماء الذين دعوا إلى الهجرة
-رغم أن البعض يرميهم بالسذاجة والغفلة-أنهم توسموا الأمر فأصابوا كبد الحقيقة ونظروا إلى الواقع نظرة عميقة استشرفت المستقبل وسابقت الزمن .. فلقد حدث بالفعل كل ما كانوا يخشونه .. فقد نشأت الدولة وتحققت على أرض الواقع ..
لكنها نشأت على الأساس الذي وضعه المستعمر وكانت كما أراد.
وكانت مع الوقت تزداد انحرافا باطراد كالخط الذي تزداد زاوية انحرافه كلما ازداد طولا.
وأصبح الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية في ظل هذه الدولة ونظامها مسألة غير جدية لأن كل شيء فيها يناقض الإسلام.
فقد كانت كالبنيان الذي أنشئ على أساس غير سليم، فكان من الضروري إعادة بناء الأساس من جديد وفق ما يقتضيه شرع الله تعالي.
أما عمليات الترميم الخارجي فلن تغير من واقع الأمر شيئا، وهذا هو الفرق بين المجاهدين الذين ينظرون إلى لأساس المتهشم فيحاولون إعادة بنائه من جديد وبين غيرهم ممن أعماه الترميم الخارجي عن هشاشة الأساس وضعفه فانشغل بالجزئيات وأهمل الكليات.
يقول سيد قطب رحمه الله:
فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله، فالمنكر الأكبر فيها والأهم، هو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات. . هو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة. . وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار، قبل الدخول في المنكرات الجزئية، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر، وفرع عنه، وعرض له ..
إنه لا جدوى من ضياع الجهد. . جهد الخيرين الصالحين من الناس. . في مقاومة المنكرات الجزئية، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول. . منكر الجرأة على الله وادعاء خصائص الألوهية، ورفض ألوهية الله، برفض شريعته للحياة. . لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال.