ومن الأهداف الأخرى أن يعتبر المعتبرون، وتصبح الصفوف مستقيمة مستوية، لا ترى فيها عوجا ولا انحناءا ولا انكسار، ففيمن خرج عن الصفوف ورام الإنكار خير رادع وشاهد واعتبار.
وللتدليل على ما ذكرناه سابقا من أنّ السجون الجزائرية هي وجه آخر لمراكز التعذيب فإننّا نذكّر النّاس بحدثين بارزين أو قل إن شئت جريمتين بارزتين لم يمكن للسلطة آنذاك أن تكتمهما ولا أن تتستّر عليهما: مجزرة سجن سركاجي ومجزرة سجن برواقية من سنة 1415هـ وقد كان عدد القتلى في هاتين المجزرتين فقط يفوق المئات من القتلى.
إذن فالتعذيب داخل السجون والقتل والإختطاف كانت ممارسات متكررة يعرفها جيدا من تنقل بين السجون الجزائرية خلال هذه السنين.
وقبل الخوض في ذلك نرى أنّه من المنطقي ذكر المحاكمات الجائرة التي تسبق ذلك بعد مرور شهور وربّما سنوات من الحبس الإحتياطي، وهذه المدّة الكبيرة هي من الإنتهاكات الفاضحة لقوانينهم، فكم من أخ يقضي سنوات عديدة في السجن ثمّ بعدها يحكمون ببراءته فيتساءل المسكين عن مغزى تلك البراءة وقد ذاق مرارة القيد والسوط كل هذه المدّة.
كانت سنة 1413هـ هي فترة الإنطلاق في تولّي زمام القضايا الإسلامية من طرف المحاكم الخاصّة، وهذه المحاكم الخاصّة قد أنشئت خصّيصا للفصل في القضايا المتعلّقة بأبناء الحركة الإسلامية أو كما تسمّيها السلطة تشويها لهم بالقضايا الإرهابية.
والإسم المختار لهذه المحاكم يوحي للفطناء بما يخفي وراءه، فهي محاكم إستثنائيّة مغايرة للمحاكم المدنية والعسكرية، وليس لها أيّ التزام بقوانين القضاء، والهدف منها هو توزيع أقصى العقوبات في أجواء يسودها التعتيم والتستر.
فأوّل مايشدّ انتباهك وأنت تدخل تلك المحاكم هو رؤيتك لتلك الأقنعة السوداء التي تغطّي وجوه القضاة، وأنت تقاد إليهم كالذبيحة تحت وقع الركل والشتم، وأوّل سؤال يتبادر إلى ذهنك: من هو ذلك الشخص الذي يجلس على كرسي القضاء وقد غطّى وجهه بقناع أسود؟!
فمن يدري، ربما يكون هو نفسه ذلك الجلاّد الذي كان ينهش لحمك منذ أيّام في مركز التعذيب؟! أو ربّما هو ذلك الضّابط في المخابرات الذي رأيته في أحد أقسام الشرطة؟! فالله أعلم.