والأنداد. [1]
وقد نهانا الله تعالى عن اتباع سبل الضلال والغواية التي تقف الشياطين على رؤوسها، فقال تبارك وتعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [2] ، والصراط: هو الطريق الذي هو دين الإسلام، مستقيما: أي مستويا قويما لا اعوجاج فيه، (فاتبعوه) أي فاعملوا به واجعلوه لأنفسكم منهاجا تسلكونه، فأمر تبارك وتعالى باتباع طريقه الذي وردت الإشارة إليه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو شرعِه ودينِه، طرفه في الدنيا ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار.
وقوله تعالى (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) أي تميل بكم وتنحرف عن سبيله، والسبل هي طرق البدع وسبل أهل الشبهات، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ثم قال (هذا سبيل الله) ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال صلى الله عليه وسلم (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها) ثم قرأ هذه الآية [3] ، وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد، وروى الطبري عن معمر بن أبان أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود رضي الله عنه (وأن هذا صراطي مستقيما) الآية، وقال مجاهد (ولا تتبعوا السبل) قال: البدع، قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء) فالهرب الهرب والنجاة النجاة والتمسك بالطريق المستقيم والسَّنن القويم الذي سلكه السلف الصالح وفيه المتجر الرابح.
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد) [4] ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سفيان: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته وكفوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفوا وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من حاد عن سبيلهم ورغب بنفسه عنهم ... إلى آخر قوله رحمه الله.
وقوله تعالى (ذلكم وصاكم به) هذا الذي وصاكم به ربكم (لعلكم تتقون) لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها فيحل بكم نقمته وعذابه. [5]
وقد بين لنا تبارك وتعالى أنه خلق أهل الإسلام أمة واحدة وجعل لهم شريعة واحدة، وحذرنا من الفرقة والاختلاف في الدين، وبين أن سببا رئيسا من أسباب الاختلاف هو عُجب كل طائفة بما عندها من العلم، فقال تعالى مخاطبا أهل الإيمان (وإن هذه أمتكم أمةً واحدة وأنا ربكم فاتقون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) [6] ، وعن ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى (أمتكم أمة واحدة) : دينكم دين واحد، فدين المسلمين واحد لا تفرق فيه (فتقطعوا) أي افترقوا في دينهم بعدما اُمروا بالاجتماع، ثم ذكر تعالى أن كلا منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال، وقوله تعالى (زبرا) أي قطعا، أي وتفرق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به ودعاهم إليه فصاروا فيه أحزابا، قال ابن زيد: يعني كتبا وضعوها وضلالات ألفوها، وقيل: إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ثم حرف الكل وبدل قاله قتادة، وقيل: أخذ كل فرق منهم كتابا آمن به وكفر بما سواه، (كل حزب) أي فرقة وملة (بما لديهم) أي عندهم من الدين (فرحون) أي معجبون به. [7]
(1) تفسير الطبري ج25/ 14: 15.
(2) سورة الأنعام، الآية: 153.
(3) رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم والدارمي والبزار، وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال (هذا سبيل الله) ثم تلا هذه الآية (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) .
(4) رواه بألفاظه المتقاربة أحمد وأبو داود وابن ماجة والطبراني وابن أبي عاصم والحاكم وقال: صحيح على شرطها، قال أبو بكر البزار: حديث العرباض بن سارية حديث ثابت صحيح، وأخرجه أيضا ابن عبد البر بإسناد صحيح وزاد (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) .
(5) راجع: تفسير القرطبي ج7/ 137 - 138، تفسير الطبري ج8/ 87: 89.
(6) سورة المؤمنون، الآية: 52، 53.
(7) راجع تفسير القرطبي ج12/ 129ـ130.